الجامعي يجادل بوستة : أي جرم ارتكبه حميد شباط لكي تقوم هذه القائمة ضده

لأستاذ بوستة المحترم،

أبعث إليك بهذه الرسالة المفتوحة، لا باعتباري عضوا سابقا في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، وإنما كمواطن عادي لا يجمعه التزام سياسي بأي مؤسسة حزبية مغربية، أراسلك لأقول لك إنني صدمت صدمة شديدة بسبب الموقف الذي أعلنت عنه، بمعية قياديين استقلاليين آخرين، والذي طلبت فيه من الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط الاستقالة من الأمانة العامة للحزب.

لقد سايرت ركب أفراد الجوقة المضادة لحميد شباط، كل لحسابه، والأغلبية المطلقة والفاعلة من هذه الجوقة أشخاص لهم سلطات واسعة ونفوذ قوي في جهاز الدولة العميقة، ومن خارج حزب الاستقلال، والعديد منهم يكنون للحزب البغضاء والعداوة، منذ طرْده للمستعمر من بلادنا.

فأي جرم ارتكبه حميد شباط لكي تقوم هذه القائمة ضده، وتثار في وجهه كل هذه الزوبعة، وتكون أنت واحدا من روادها والمساهمين فيها؟ لقد عبَّر الرجل عن آراء سياسية من موقعه كمواطن أولا، وكزعيم سياسي ثانيا، فهل أصبح التعبير عن الرأي والإعلان عنه صراحة وعلانية جريمة لا تغتفر، وينبغي أن يقدم الثمن الباهظ من تجرأ على ذلك؟؟؟

الأستاذ بوستة

هل نحن في حاجة لتذكير رجل قانون وسياسي من طينتك بأن حرية التعبير حق مصان بموجب دستور 2011، وبموجب المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب؟

ألم يكن من الأفضل مجادلة شباط بالرأي ومقارعته بالحجة، بدل شن حرب عشواء عليه، ومحاكمته، وإدانته ونصب المشانق له؟

أين ذلك الرجل الشجاع الذي دافع عني وعن حريتي في التعبير وآزرني بلا حدود من منصة البرلمان حين بعثت برسالتي المفتوحة إلى وزير الداخلية إدريس البصري، الرجل القوي آنذاك، أنتقده فيها انتقادا عنيفا وشديدا؟

الأستاذ بوستة

صراحة يصعب على المرء فهم أسباب كل هذا الزعيق المثار في الساحة حول ما قاله شباط. لقد أدلى الرجل برأي من موقعه كأمين عام لحزب الاستقلال الموجود خارج السلطة، ولذلك فإن أقواله لا تلزمه إلا هو، كما جار به العمل في جميع دول العالم، ولا تُلزم تلكم الأقوال السلطة المغربية بأي شكل من الأشكال.

هذا الهجوم الكاسح على شباط والسعي لسحقه واجتثاثه من الساحة السياسية لأنه عبر عن رأيه، ألا يدل، بما لا يدع مجالا للشك، على أن من يقومون بذلك لا يؤمنون بحرية الرأي والتعبير والتعددية والحق في الاختلاف، في جوهرهم، مهما حاولوا التظاهر والتغني أمامنا بالديمقراطية.

وأول الخلاصة التي يخرج بها المرء من هذه الحملة على شباط تفيد بأن الذين هاجموه وقمعوه بعثوا بذلك رسالة إلينا جميعا مضمونها أنهم وضعوا لنا خطوطا حمراء جديدة يتعين علينا عدم تجاوزها، والخطوط الحمراء المضافة تحض على عدم النبش في التاريخ المغربي الحديث، وفي قضية الصحراء، وفي المخزن الاقتصادي، والاستقلال الحقيقي للمغرب وللمغاربة، وتجنب مجادلة الملكية.

ففي بلد ينعم بديمقراطية سليمة، ما قاله شباط يعتبر كلاما عاديا جدا، ويشكل برهانا قاطعا على أن في البلد تعددية ونقاشا وسجالا وآراء متباينة تتصارع أحيانا وتتكامل أحيانا في ما بينها، وأقصى ما سيصدر عن الجهاز الحكومي في مثل هذه الحالات هو بلاغ قصير جدا، من بضع كلمات، يقول بأن ما فاه به شباط حول موريتانيا لا يعبر عن رأي الحكومة، دون شتم مضمر، أو كلام جارح خارج عن اللياقة من وزارة الخارجية.

لقد صرح بنكيران تصريحا مشابها لتصريح شباط في حق روسيا، لقد اعتبر أن “ما يجري من تصعيد عسكري من النظام السوري وحلفائه في حلب يدمي القلب، وغير قابل للفهم”، مضيفا أن “ما يفعله النظام السوري بشعبه، مسنودا بروسيا وغيرها، يتجاوز كل الحدود الإنسانية، ولا يمكن فهم أسبابه الحقيقية. لماذا تدمر روسيا سورية بهذا الشكل؟”، فلماذا ظل بنكيران رئيسا معينا للحكومة؟ لماذا لم يطالب أي أحد “البيجيدي” بطرده من صفوفه؟ لماذا لم يتم إعفاء بنكيران من مهمته كرئيس للحكومة معين ومكلف بتشكيلها، ويطرد نتيجة لذلك معه حزبه من الحكومة المقبلة كما فعلوا مع حزب الاستقلال. لماذا تم الاكتفاء بإصدار توضيح من الحكومة؟ فهل أضحت موريتانيا أكبر وأقوى من روسيا الاتحادية؟

الأستاذ بوستة

لنقترب من الآراء الأخري التي أدلى بها شباط ولنناقشها فكرة فكرة، لقد قال الرجل عن اتفاقية إكس ليبان: “إن المؤرخين لم يرجعوا إليها كثيرا، لأن الأفواه مكمومة وممنوع الكلام في التاريخ، وأن هذه المفاوضات كانت من أجل فريق واحد وليس كل المغاربة”.

كلام شباط هذا حقيقة لا جدال فيها، فتاريخنا لم يكتب بعد، وعلى المؤرخين العودة إلى هذه الحقبة وتسليط الضوء عليها والكشف عن المسكوت فيه، لقد ظلت إلى اليوم رواية الدولة لوقائع إكس ليبان هي الرواية الوحيدة المهيمنة على الساحة والسائدة في وسائل الإعلام الرسمية، والتي يتوجب علينا أن لا نحيد عنها رغم بعدها عن الحقيقة.

الأستاذ بوستة

كنتَ ضمن الوفد المغربي الحاضر في إكس ليبان برئاسة المرحوم محمد اليزيدي، وشاركت في اللقاء الذي تم في منزل إدغار فور، رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك، فأنت تعرف تفاصيل ما جرى في تلك “المذاكرات” وليس المفاوضات، كما هو شائع عندنا، وتدرك جيدا أن ما قاله شباط في هذا الشأن صحيح مائة في المائة.

وأنت تعرف حق المعرفة كذلك موقف علال الفاسي من إكس ليبان ورفضه قبول الاستقلال المبتور، كما عُرض على المفاوضين المغاربة، لأن أجزاء واسعة من أرض الوطن كانت لا تزال تحت السيطرة الفرنسية والإسبانية، مطالبا بأن تشملها الاتفاقيات ويتم الجلاء عنها، ليكون الاستقلال غير ناقص، ولا شك أنك تتذكر الأذى الذي لحق بعلال الفاسي والمعاناة التي قاساها جراء تعبيره عن موقفه هذا.

ان هذه الاتفاقيات آلت نتائجها في النهاية لفائدة حفنة من الاستغلاليين والانتهازيين والخونة الذين كانوا يتعاونون مع المستعمر حين كان يفتك بأبناء الشعب؟؟

الأستاذ بوستة،

من نافل القول إن ما فاه به شباط أمام أعضاء الاتحاد العام للشغالين لا يجبُّ المواقف الرجعية والمشينة التي اتخذها ضد حركة 20 فبراير، الحركة التي حركت بقوة الماء الراكد في المغرب، وشتْمه للمرحوم المهدي بن بركة وتوجيه اتهامات ظالمة له، وهجومه المجاني على آل الفاسي واتهامه لهم بأنهم يريدون الاستيلاء على الحزب، وقوله عن كتاب برتوكولات حكماء بني صهيون بأنه يؤكد خبث اليهود وتآمرهم على العالم، علما أن الدراسات أكدت أن الكتاب كان من تأليف المخابرات الروسية في العهد القيصري للتحامل على اليهود كلهم، ودون استثناء، لتسويغ قمعهم، وقدحه وسبه لخصومه السياسيين وشعبوية خطابه، واللائحة تطول…

مواقف وتجاوزات سكتتم عنها، والسكوت في هذه الحالة من علامات الرضا والمؤازرة.

السيد بوستة

لقد بعثت إليك بهذه الرسالة المفتوحة لأجادلك فيها، انطلاقا من معرفتي أن لك صدرا رحبا، وتقبل الرأي المخالف لرأيك، ولا تتضايق منه.

وفي الختام لك تحياتي القلبية، واحتراماتي الصادقة.

الرباط 10/ 01 /2017

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف

تعليقات

تحميل...