آخر الأخبار

يكذبون على الشيطان!

يكذبون على الشيطان!

أحمد إفزارن

أن يكون “الشيطان” موجودا أو غير موجود، ليس هذا هو المقصود.. المقصود هو ألا نلصق به أفاعيل لا علاقة له بها..

مثلا: ما علاقة “الشيطان” بتدبير الشأن العمومي؟ والشأن المحلي؟ هل “الشيطان” هو يتحكم في مؤسسات نيابية وتشريعية وتنفيذية؟ وفي الإدارات؟ من تجب محاسبتهم على سوء التسيير والتدبير؟

والقضاء يحاسب من؟ هل يحاسب “الشيطان” أم الفاعل البشري؟

والأمن؟ هل يستطيع القبض على “الشيطان”؟ أم يتعقب جناة فعليين؟

لقد اعتدنا على اتهام “الشيطان” بما نحن قد فعلنا بأيدينا وسلوكنا.. ثم نلعن “الشيطان” على فعال لم يقترفها إلا بشر..

وعلينا بإعادة النظر في علاقته بنا نحن البشر، وعلاقتنا به هو “الشيطان”، لكي نضع حدودا بين المسؤوليات، حتى لا ننقاد وراء خلط، وسوء فهم، وبالتالي إساءة لمفهوم المسؤولية!

والأديان عندما تحدثت عن “الشيطان” الذي هو “إبليس” – في القرآن – لم تقل إن الفاعل البشري معفي من المحاسبة، ما دام “الشيطان” ملعونا.. لم تقل هذا..

قالت: كل إنسان مسؤول عن سلوكه.. وتتم محاسبته على سلوكه، لا أقل ولا أكثر..

وعلى هذا المنهاج، برزت كل الخطوط الفاصلة بين “الشيطان” والبشر..

والحديث عن “الشيطان” لم يتوقف منذ قديم الزمن، وعبر عصور وعصور.. وقد نسجت حوله الكثير من التخيلات والأساطير والخرافات والحوارات البيزنطية، وحتى العقلانية..

وتناولته الثقافات المختلفة، واعتبرته الديانات كائنا خارقا للعادة، وتجسيدا للشر..

وعندنا – نحن أيضا – نكاد لا نفرق بين “رمزية الشر” ومسؤوليتنا الفعلية الخصوصية والعمومية..

وفينا من يتملص من مسؤولياته، ويلصقها بهذا “الكائن” المجهول، وكأنه هو يمارس معنا هذا الشر، بما فيه تعمد سوء التدبير، والإساءات المنتشرة بيننا، لدرجة أن كل من اختلط عليه الحابل بالنابل، يحمل “الشيطان” كامل المسؤولية، وحتى بدون دليل ولا مبرر..

وعلينا بمراجعة فهمنا للكيان “الشيطاني” الخفي، من أجل تحديد المسؤوليات عن حياتنا مع بعضنا ومع الآخر..

ولا يجوز توظيف “كيان” – مجهول – في مسؤولياتنا الواقعية..

ولا أن يتهرب أحد من تحمل المسؤولية، فيقدم على الكذب حتى على “الشيطان”.. أوليس فينا من يكذبون على “الشيطان”، بالليل والنهار، للتملص من مسؤولياتهم المباشرة وغير المباشرة؟

والإشكال ليس في اللعنات التي تنهال على “كائن” لا نراه بالعين المجردة، ولا بميزان العقل، بل في فهمنا الذي لا يستقيم، عندما لا نجد أنفسنا مع وقائع ثابتة، بل فقط أمام رمزيات من “أساطير الأولين”..

والمؤكد أن “الشيطان” الذي نلعنه، ولا نلعن أفعالا بشرية سيئة، هو يتحملها نيابة عنا، ليس بشرا أو حيوانا أو حتى جمادا نتفاعل معه بشكل واقعي مباشر في حياتنا اليومية..

ولدى باحثين في “الأبعاد الكونية”، تصورات تفيد أن قد تكون في حياتنا أبعاد كثيرة، تنتمي لعوالم أخرى، ولكنها أبعاد نحن لا نراها، وهي لا تتدخل فينا.. أبعاد بين بعضها حدود تتصورها فرضيات علمية، ولا أحد يراها بالعين المجردة، أو يحس بها، أو يتفاعل معها بشكل مباشر..

كل كائن مستقل عن الآخر..

ودراسات علمية، من مختلف أرجاء العالم، تبحث عن “جيراننا” في الأبعاد الحياتية الأخرى، ولحد الآن بلا نتيجة ثابتة ملموسة..

وهذا يبرره اشتغالنا البشري العلمي، بطريقة الملموس، في أبعاد حياتية غير ملموسة..

الملموس يبحث في اللاملموس..

ظاهر يبحث في خفي..

وهذا يقود إلى عجز عملي في تفسير كثير من الأدبيات حول كيانات أسطورية..

وتبقى علاقتنا مع “الشيطان” محدودة في إطار الفعل والمسؤولية..

ولحد الآن، لا حديث عن مدى مسؤولية “بني آدم وحواء” في التعامل مع الألغاز “الشيطانية”..

ويبقى ما بأيدينا، وأمام أعيننا، هو أن “الشيطان” التخيلي لا نراه، ولا يتواصل معنا لا بالصوت ولا بالصورة، ولا يعتدي على أي منا، لا بيده و لا بلسانه، بل نحن نلعنه، حتى ونحن المسؤولون الحقيقيون عن أفعالنا.. وهو يتلقى اللعنات ولا تصدر منه أية ردود عملية مباشرة..

فهل هذا “الشيطان” الذي يشغل بالنا هو يحرضنا على الإساءة حتى لأنفسنا؟ وكيف؟ هل بأشكال مادية؟ أم بإيحاءات وإغراءات وغرائز؟ ثم ماذا هو يستفيد؟ هل يستفيد شيئا؟ لماذا يدفعنا إلى ما نفعل؟ وهل فعلا هو مسؤول عن أفعالنا، عندما تكون سيئة؟!

تساؤلات مطروحة بالمنطق البشري..

ولا نستبعد فيها مسؤولياتنا البشرية: ألا نكون فعلا نقترف أفاعيل سلبية ثم نتهرب من المسؤولية، بذريعة وجود محرض؟ أليس واردا أن يكون هذا “الشيطان” بريئا من “التهمة”؟ ألا نكون نحن نوظف المسألة الشيطانية لكي نكذب على “الشيطان” نفسه؟ وإذا كان كذلك، وهذا مجرد تصور، فلماذا نكذب على”الشيطان”؟ ولماذا يستغله فاعلون سياسيون لتبرير فشلهم في تدبير الشأن الوطني المشترك؟ لماذا أحزابنا مواظبة على لعن “الشيطان”؟ ولماذا تلعنه “حكومة التضليل”، وهي تفعل وتمارس ما قد يندى له جبين نفس “الشيطان”؟

وأخيرا: هل “الشيطان” جنس كياني واحد، أم هو أجناس؟ ولم لا تكون الأفعال نفسها تحمل تسمية كيانية هي “الشيطان”؟

وإلى هذا، كل التراث الأسطوري يتحدث عن “الشيطان” بصيغة الذكورة.. وفي هذا ما يتطلب المزيد من البحث والتحري..

– وأين هو “الشيطان” الفعلي؟ نحن لا نرى إلا سلوكات مشينة.. فهل هذه هي نفسها “الشيطان”؟ هل السلوك هو “الشيطان”؟ وإذا كان كائنا حيا، بأي شكل من أشكال الحياة، فمن هو؟ وأين هو؟

إن أية محاولة للإجابة، ستساهم في تفسير ألغاز ورموز تحفل بنا الثقافة البشرية، وقد تخرجها من سجلات الأساطير لكي نعرفها أكثر، ونتموقع معها بشكل أدق، ونحدد مسؤولياتنا الواقعية في حياتنا المشتركة..

وعندما نفهم، ونتخلص من اللغز الشيطاني، نحدد مسؤولياتنا مع بعضنا ومع غيرنا، وحتى مع كائنات أخرى، ومنها “الشيطان”!

ويبقى أن الإشكالية ليست في كائن مجهول اسمه “الشيطان”، بل في فهمنا لما يحاك حول هذا الكائن، وفهمنا للنصوص القديمة، واجتهادات التراث التقليدي.. الفهم البشري لهذا الرصيد الأسطوري هو المشكلة.. الفهم البشري للنصوص الدينية بشأن “الشيطان” هو أيضا مشكلة..

المشكلة ليست في وجود “الشيطان” أو عدم وجوده.. إنها في ما نحن قد فهمنا.. فتجب معالجة الفهم في صميمه.. هل فهمنا سليم؟ أم اعتباطي؟

وهذا يستوجب العودة إلى الخلف، لدراسة ما فهمنا من نصوص قد تكون مجرد رموز لسلوكات سيئة..

وهذه الرمزيات موجودة في الأشعار وكل الأدبيات، وتسمى: المجاز..

مثلا: عندما ننشد “طلع البدر علينا من ثنيات الوداع…”، فهذا البدر ليس هو القمر الذي نشاهده بالعين في ليلة كماله، بل هو رمز للضياء والصفاء والجمال.. إنه رمز فقط..

والرمزيات موجودة في كل الأدبيات والخطابات التراثية والروحية.. ويجب أن نتوقف عند الرمزيات في معالجة العقدة “الشيطانية”..

– نعم، “الشيطان” مذكور في الكتب السماوية.. هو “موجود” بصفة الشر والاستكبار..

وفي الإسلام، إبليس هو كبير الشياطين.. أخرج آدم من الجنة…

وهذا لا يعني أن “الشيطان” مسؤول عن مسؤولياتنا..

نحن مسؤولون عن أنفسنا..

ونتحمل تبعات أعمالنا..

مقالات ذات صلة: