موقع إخباري مغربي

إصلاح التعليم بالتيمم (2/2)

 

رشيد نيني

الجواب على سؤال أمس واضح، فالأمر يحسمه منطق الربح الشخصي، إذ يفضلون الاحتفاظ بعلات ما هو قائم بدلا من اقتطاع مدة من فترة مسؤوليتهم لمراجعة هيكلة أبانت عن عجزها في تدبير القطاع، خصوصا أن الأمر يتطلب وقتا لدراسة الجدوى وتفاوضا مع وزارات أخرى ومراجعة من طرف الأمانة العامة للحكومة. إضافة إلى ذلك، فأقدمية بعض المسؤولين بالوزارة جعلتهم كمسامير «الميدة» التي لا يجرؤ مسؤول على تغييرها مخافة أن تتكسر «الميدة» وتسقط على رؤوس الأكلة المتحلقين حولها.
ولكن لماذا لا يتم افتحاص أداء هذه المصالح المركزية وتقييم مدى مساهمتها في التربية الوطنية؟ الجواب مرة أخرى واضح، لأن افتحاص الحصيلة الفعلية لعمل كل بنية مركزية سيسائل مباشرة الوزارة الوصية والحكومة حول التشدق بالحكامة الجيدة والتدبير المتمركز حول النتائج وغيرها من السلع التي تستوردها مديريات الوزارة عبر المنظمات العابرة للقارات، ويتم تسويقها داخل قطاع التربية الوطنية بدون جمرك وبمباركة وزراء علمهم بتفاصيل هذه السلع ضعيف جدا إن لم يكن منعدما.
ومع ذكر الافتحاص في نهاية الدورة الأولى من الموسم الدراسي الحالي، اكتشفت المؤسسات التعليمية أن بالوزارة مفتشية عامة تهتم بالقضايا التربوية أوفدت مفتشين إلى هذه المؤسسات لملء شبكات الافتحاص. فهل نهاية الدورة مخصصة للامتحانات وإعداد بيانات النقط وعقد مجالس الأقسام، أم لملء استمارات السيد المفتش العام، الذي عرف عهده تعطيلا لعمل جهاز التفتيش التربوي وتوترا لهذا الجهاز مع الوزارة؟
ولتأكيد حضور السيد المفتش العام للوزارة داخل هرمها الإداري، أعلنت الوزارة مؤخرا، في بلاغ غريب، أنها ستقوم بافتحاص بنياتها التربوية وذلك بغرض تقديم النصح والدعم والمواكبة لهذه المؤسسات. اللغة المستعملة في البلاغ تفيد أن الأمر يتعلق بمؤسسة للوعظ والإرشاد لا بجهاز موكول له متابعة عمل مرافق هي في الأصل والمنتهى عمومية ينبغي أن يحكمها القانون. فالافتحاص داخليا كان أم خارجيا ينبغي أن يأخذ مكانه العادي ضمن برامج الوزارة التي من حقها تشخيص حالة كل البنيات.
إلا أن ما لا يمكن اعتباره عاديا هو التوقيت الذي تم اختياره للقيام بالافتحاص. أولا، هل أعدت الوزارة رؤيتها الاستراتيجية دون أن تكون لها نظرة عن بنياتها التربوية؟
ثانيا، هل فتحت الوزارة مشاوراتها في السنة الماضية معتمدة أرضية لا تأخذ بعين الاعتبار واقع بنياتها التربوية؟
ثالثا، إذا كان الافتحاص يعني في مرحلته الأولى تجميع المعطيات، فلماذا يتم إنجاز ذلك بشكل موازٍ ومنفصل عن عمل المجلس الأعلى للتربية والتكوين؟ وما هي مآلات كل الإحصاءات من شتى الأصناف التي تطالب بها الوزارة دوريا جميع المؤسسات التعليمية؟ ثم لا بد من التساؤل عن كفاءة الفاحصين، وأولهم السيد المفتش العام الذي لا يخبر الكثير في اليومي من عمل بنيات الوزارة.
إن اشتغال المصالح المركزية لوزارة التربية الوطنية، بالرغم من إثارته لكثير من الاستغراب فإنه في نفس الوقت يفسر العديد من إخفاقات القطاع، والبلاغ يشهد على ذلك، حيث أنه لا ينهل من معجم القانون الذي يحدد اختصاصات المفتشية العامة، ويبدو أن مديرية المنازعات والشؤون القانونية بالوزارة عاطلة عن التأطير القانوني لعمل الوزارة. فلو كان الأمر غير ذلك لما تورطت الوزارة في العديد من المنازعات الإدارية والتي حكمت ضدها، علما أن مديريتها المختصة تضم  ثلاثة عشر قسما ومصلحة، ولنا جميعا أن نتخيل التكلفة المالية لذلك.
هذا الحال من تبذير المال العام يكاد يكون عاما داخل وزارة التربية الوطنية، ويسائل مديرية الميزانية قبل غيرها عن أوجه صرف الميزانيات الضخمة المخصصة للمصالح المركزية.
مثلا، ما هو حجم تعويضات التنقل والتغذية والمبيت والساعات الإضافية والتأطير التي يتلقاها المسؤولون مركزيا؟
كيف تصرف هذه التعويضات؟ ومن هم المستفيدون فعلا من هذه المبالغ؟
بل ما أثر هذا الصرف على حالة المنظومة؟
ذلك كله دون احتساب التكلفة الباهظة للتعويضات عن مناصب المسؤولية التي يضاف لها ما هو عيني من سكنيات وهاتف وسيارة والقائمة طويلة، وكله يدخل في باب البدع التي أحدثها مسؤولو وزارة التربية تحت ما يسمى الحوافز.
لذلك ترى أياما دراسية ولقاءات وسفريات تنظم لا لشيء سوى لتبرير صرف المال. ولعل المثال الواضح على ذلك الجولات التي قام بها مؤخرا مدير الموارد البشرية بالوزارة إلى وجدة والقنيطرة والجديدة للقاء طلبة سلك الإدارة التربوية دون سبب يذكر.
فالسيد لم يحمل جديدا حول مطالب هذه الفئة، إذن ما الذي جعله يترك مقر عمله كل جمعة ويتنقل ليخبر ما يقرب من 120 موظفا أنه لن يترتب عن تكوينهم أي ترقية ولا امتياز إداري؟
وهل هذا الإخبار يقتضي ترك مصالح ما يقرب من 300000 موظف؟
ثم لماذا يصر السيد مدير الموارد البشرية على التواصل اليومي مع هذه الفئة بالذات وبكل الأشكال، منها استقبالهم في مكتبه سواء كانوا فرادى أو جماعات وخلال أيام التكوين؟ ذلك كله لا يبدو غريبا في مسيرة الرجل المهنية، ففي عهده عرفت ملفات كثيرة اختلالات بالجملة منها ما ارتبط  بالتفرغات وفتاواه حول الوضع رهن الإشارة والإلحاق وتغيير الإطار وأشكال تصريف الفصل 15 من القانون التنظيمي للمالية في الترقيات أو غيرها.
لم يعد بالمطلق في مغرب اليوم المتلهف على غد مشرق لمدرسته القبول بمثل ه
ؤلاء المسؤولين القائمين على التعليم يمدحون البرامج والقرارات حينما تكون مدرة للمال أو تنال رضا الوزير أو منظمة أجنبية، وبمجرد ما يبدأ توجيه سهام النقد تراهم أول المنتقدين والمروجين إعلاميا للتحاليل والدراسات، كأن الإخفاق لا يقع تحت مسؤولياتهم المباشرة التي ينبغي أن تطالها المحاسبة بدءا بالكاتب العام الذي عليه واجب القيام بدور التنسيق بين مختلف البنيات المركزية بدلا من تركها في حالة المحميات المسيجة.
   

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...