موقع إخباري مغربي

دجاجة بكامونها

 

رشيد نيني

وأخيرا تكتب الصحافة الأمريكية شيئا إيجابيا حول المغرب، فقد نشرت واحدة من أناجيل صحافة الصناعة السينمائية الهوليودية، ويتعلق الأمر بـ«هوليود ريبورتر»، مقالا أشادت فيه بالمغرب كوجهة مفضلة لتصوير الأفلام الأمريكية.
فبعد «إكسوديس، ملوك وآلهة»، الذي يجسد الذات الإلهية، والذي منع الخلفي عرضه في القاعات السينمائية، و«القناص الأمريكي» الذي يحكي قصة قناص اشتغل لحساب الجيش الأمريكي في العراق من أجل قنص الأطفال والنساء العراقيين، و«المهمة المستحيلة 5»، الذي من أجل عيون العنصري كاره العرب والمسلمين طوم كروز أغلق مدير «لوطوروت» طريق مراكش في وجه المغاربة لأكثر من أسبوع، ها هو «جيمس بوند» يستعد لتصوير فيلمه الجديد بالمغرب.
المخرجون الأجانب الذين يأتون للتصوير في المغرب يأتون بدون شك لأنهم لا يتعبون أنفسهم كثيرا في إعادة تشكيل الديكور لكي يصوروا فيه أحداث مسلسلاتهم وأفلامهم، ببساطة لأن الديكورات البدائية التي يحتاجونها لإعادة تشكيل مناطق نزاع مختلفة في العالم كأفغانستان وغيرها موجودة «من عند الله»، ففي مناطق كثيرة لم تصلها بعد لا أنابيب الماء الصالح للشرب ولا أسلاك الكهرباء يمكن أن تعثر على ديكورات تعود إلى العصر الطباشيري الأول.
القرى نفسها التي ظلت صامدة لقرون، والرجال يلبسون نفس الأزياء البسيطة، والدواب نفسها التي استعملها الأجداد ما زالت تستعمل كوسائل نقل في طرق وعرة لم تصلها بعد جرافات الرباح ولا قناطره.
ولذلك فعندما نسمع البعض يربط حصيلة تصوير الأفلام الأجنبية في المغرب بالتقدم الحاصل في إدارة الشأن السينمائي المغربي، نفهم أن هناك من يريد أن ينسب الأشياء إلى غير أصلها. فإذا كانت شركات الإنتاج السينمائية العالمية تفضل القدوم إلى المغرب، فليس لأن المركز السينمائي المغربي يوفر استوديوهات ومعدات تقنية متطورة للتصوير، ومختبرات رقمية لمعالجة الصور بأحدث المؤثرات الصوتية والمشاهد الخاصة، أو ممثلين عالميين يستطيعون أن ينتزعوا أدوار البطولة إلى جانب نجوم السينما العالمية، ولكن هؤلاء المنتجين والمخرجين يختارون المغرب لتصوير أفلامهم لأنهم ببساطة شديدة يرونه على هيأة استوديو كبير من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. فالمغرب بمدنه، حيث الأحياء غير مكتملة البناء، وبيوته العشوائية وطرقه المحفرة، وحركة سيره الفوضوية، يعطي إمكانية تصوير كل السيناريوهات التي يمكن أن تأتي على بال أكثر المخرجين جنونا. فبالنسبة لهؤلاء المخرجين اختيار التصوير في المغرب بالنسبة إليهم بمثابة «دجاجة بكامونها».
إذا كنت تريد تصوير فيلم عن حياة المسيح عليه السلام، فالأمر في غاية السهولة؛ فنواحي ورزازات تشبه كثيرا أرض المقدس في فترة ظهور المسيح. والناس ما زالوا يلبسون الثياب نفسها التي كان يلبسها حواريو المسيح. وهناك قبائل في نواحي ورزازات والراشيدية ما زال سكانها يعتبرون الحذاء ترفا لا يناله إلا المحظوظون، والأطفال هناك يتراكضون بين أزقة الدوار المتربة حفاة شبه عراة.
أما بالنسبة للكومبارس فالأمر سهل، فعندما ترى الممثلين المغاربة، الذين يظهرون في التلفزيون خلال رمضان دفعة واحدة، يتجولون في وسط العاصمة ومقاهي وسط الدار البيضاء مطلقين لحاهم، فيجب أن تفهم أنهم يستعدون للنزول إلى ورزازات للعب في فيلم حول حياة المسيح. فأتباع سيدنا عيسى كانوا كلهم ملتحين، وممثلونا يبدو أنهم لا يحبون اللحى المستعارة ولذلك يشاركون في هذه الأفلام بلحاهم الأصلية. هكذا بالإضافة إلى توفير تعويضات ساعات العمل يوفرون ثمن شفرات الحلاقة أيضا.
والمغرب ليس فقط استوديو مفتوحا من عند الله يمكن أن تصور فيه حياة الأنبياء والمرسلين جميعا دون أن تكون محتاجا لتحريك شجرة واحدة من مكانها، وإنما يمكن اعتباره هوليود قائمة بذاتها.
وما دمنا نتحدث عن مقال صدر في الصحافة الأمريكية، دعونا نستحضر نكتة بطلها هو الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش. وتقول النكتة إن الرئيس الأمريكي طلب صورا جوية لبعض البلدان الإسلامية ومنها المغرب، وعندما أتوه بالصور الجوية لبعض المدن والقرى المغربية تأملها ثم قال لهم غاضبا :
«ياك قلنا ليكم غير صوروها، علاش ضربتوها»؟
في الرباط، التي هي العاصمة «ياحسرة»، والتي إذا لم تنتبه جيدا إلى أين تضع قدمك، توشك أن تضعها في واحدة من تلك الحفر المنتشرة في كل مكان، ظهرت بعض شوارعها في مشاهد الفصل الأخير من سلسلة «هوملاند» كشوارع كابول الموحلة، حيث الأزبال تنتشر في كل مكان.
في الدار البيضاء، القلب الاقتصادي النابض للمغرب، سبق لأحد المخرجين أن حول واجهة فندق لينكولن، الذي ينهار قطعة قطعة، إلى أحد أحياء بيروت خلال الحرب الأهلية، وكل ما احتاج إليه للحصول على هذا الديكور هو وضعه لدبابة وبضع سيارات محترقة في الشارع، فأصبح شارع محمد الخامس شبيها بشارع القناصة في بيروت خلال الثمانينات.
أما في طنجة فقد حول أحد المخرجين بمعية الممثل العالمي «مات ديمون» أسطح بيوت مدينتها القديمة إلى ساحة مواجهة بين البطل ومطارديه الأشرار، دون أن يحتاج إلى بناء ديكور لتصوير المتاهات التي سيضيع عبرها البطل، لأن أزقة طنجة القديمة مصنوعة أصلا على شكل متاهة. وهي المتاهات نفسها التي طارد عبرها أشرار آخرون العميل «جيمس بوند» في نسخه الأولى سنوات السبعينيات، والمتاهات نفسها أيضا التي صور فيها بيرن
اردو بيتولوتشي فيلمه «شاي في الصحراء»، الذي كتب قصته بول بولز، والذي لم يغادر بالمناسبة بيته بتلك المتاهات الضيقة بقلب طنجة إلى أن مات.
المهم أن المغرب يصلح لتصوير أفلام الحرب الأهلية في الصومال ولبنان، كما يصلح لتصوير الاحتلال العسكري لأفغانستان والعراق، دون أدنى حاجة لتعديل الديكور. وإذا ابتعدت عن شوارع المدن وأحيائها غير مكتملة البناء وذهبت إلى المغرب العميق، فيمكن أن تدخل في العصر الوسيط بسهولة، وتجد مواطنين ما زالوا يعيشون عصر ما قبل اكتشاف العجلة. كما يمكنك أن تكتشف مغاربة ما زالوا يعيشون عصر الالتقاط وآخرون يعيشون العصر البرونزي وعصر اكتشاف النار.
وإذا توغلت في قرى الأطلس بنواحي تونفيت وأنفكو وبومية فيمكن أن تستنشق نسائم العصر الجوراسي الأول، ولا غرابة في ذلك، فجد الديناصورات عاش في تلك الأعالي قبل ملايين السنين.
وليست الصناعة السينمائية وحدها التي لا دخل فيها للعامل البشري بالمغرب، بفضل العطاء الإلهي، بل إننا حتى عندما نتأمل لائحة صادرات المغرب نكتشف أن المغرب يحتل الرتبة الأولى عالميا في تصدير بعض المنتجات التي لا دخل للإنسان فيها. فهي كلها منتجات طبيعية وهبها الله تعالى لهذه البلاد، والإضافة الوحيدة التي يقوم بها المغرب هو أنه يستخرجها ويبيعها خاما في الأسواق العالمية. وعلى رأس هذه المنتجات نجد الفوسفاط والأسماك والغاسول والخروب والحلزون والصابون البلدي والحرمل والشبة وزيت الهندية وزيت أرغان، دون أن ننسى الحمير طبعا. وكل هذه المعادن والنباتات والثمار والحيوانات موجودة في أرض المغرب قبل ظهور الإنسان على وجهها.
واليوم نرى كيف يريد البعض أن ينسب ارتفاع مداخيل تصوير الأفلام الأجنبية في المغرب إلى التقدم الحاصل في إدارة الشأن السينمائي الوطني. والحال أن ما يجذب المنتجين الأجانب نحو المغرب هو توفره على مدن تصلح لتصوير الفوضى والحروب الأهلية والمواجهات الحربية بأقل التكاليف الممكنة، وتوفره أيضا على بعد مائة كلم من المدن على العصور التاريخية كلها بدءا من العصر الطباشيري والعصر الحجري، وربما حتى العصر «الغبري»، أي ذلك العصر الذي سبق تكون الحجر ولم يكن سائدا فيه سوى «الغبرة»، وليس ضروريا طبعا أن أشير إلى أن هذا الاسم هو اجتهاد جيولوجي من عندي.
ثم إن أهم شيء يجذب المنتجين السينمائيين الغربيين نحو المغرب هو أنهم يضمنون في السنة 365 يوما من التصوير كلها شمس، خصوصا في الراشيدية وورزازات، الشيء الذي لا يمكن أن يعثروا عليه في بلدانهم التي عليهم أن يقطعوا فيها التصوير في كل مرة تهطل فيها الأمطار، ولا أحد يعرف متى ستنحسر. ولا شك أنكم تعرفون كم يكلف كل يوم تصوير ضائع من ميزانية فيلم تصل تكلفته إلى ملايين الدولارات.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...