موقع إخباري مغربي

«الغني الزاهر» مشروعاً ثقافياً


سعيد يقطين

في حمأة ما يفرضه علينا واقعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي المتردي، قلما نلتفت إلى الوجوه المضيئة التي يزخر بها ثقافيا. إذ أن الضباب الذي يلف الفضاء ردحا طويلا من الدهر، يجعلنا نحلم بضياء الشمس ونور القمر، كلما طال أمد العتمة، متناسين أنه حتى في أحلك الظروف وأقساها هناك أبدا كوى تحارب الظلام، وطاقات يتسرب منها نور الأمل، ومشاريع يشتغل بها أصحابها لمقاومة الرداءة.
لا يخفى أن المشروع السياسي العربي، وهو يهرب إلى الأمام، عاجز كل العجز عن بلورة رؤية مستقبلية واضحة. إنه يتصرف بلا بوصلة ولا استراتيجية ملموسة. يظل رهين تطور الأحداث ولا يملك إزاءها غير رد الفعل. وبما أن المؤسسة الثقافية وليدة ذاك «المشروع»، فهي بدورها تخبط خبط عشواء بلا تبصر ولا أفق.
لكن بعض المثقفين، التفتوا إلى أهمية التفكير في مشاريع ثقافية طويلة الأمد، سواء على مستوى الدراسة أو الإبداع، فكرسوا لها حياتهم، عبر تنظيم العمل، ومواصلته بصورة دقيقة وصارمة، بهدف الإسهام في تحقيق عمل ما يكون له أثره في المستقبل. هذا النوع من المثقفين يزخر بهم الوطن العربي الذي لم يكن يخلو أبدا من كفاءات وطاقات هائلة. لكن المؤسسة الثقافية العربية، الرسمية وشبه الرسمية، بدل أن تلتفت إلى مثل هذه الطاقات «المنطوية» تظل تستجمع حولها جوقة من المثقفين «البارزين» الذين لا يحسنون سوى تبديل إيقاعات التطبيل لحساب من يدفع أكثر. وتراهم كلما بدت مؤسسة جديدة تستثمر في الثقافة، يلتفون حولها لاقتسام الغنائم، وملء الساحة بالضباب والعتمة، وإغلاق أي أمل في المستقبل.
من المشاريع الثقافية الهامة التي لم يلتفت إليها الإعلام الثقافي ولا اللغويون ولا المؤسسة، بما يكفي، مشروع «الغني الزاهر» لعبد الغني أبو العزم. منذ أكثر من ثلاثين عاما، والباحث منكب على هذا العمل بحس الباحث، وعمق المفكر، ودأب العامل. قبيل توقف المشروع الذي شرعنا فيه منذ أواسط التسعينيات، حول «مركز البحث والتواصل»، وإصدار جريدة «الكاتب» الثقافية، كان قد انخرط أبو العزم، في صناعة معجم عصري وحديث للغة العربية، موجه للأطفال والأحداث، لما رأى نقصا كبيرا في المعاجم العربية التي لا تواكب تطور اللغة العربية الحديثة.
كنت أغبطه على التزامه بالوقت والجهد. كان «موظفا» مع المعجم الذي يشتغل به صباحا من الثامنة إلى الواحدة. وبعد الظهر يواصل انهماكه في العمل إلى الليل. لن تجد عبد الغني، في أي وقت، إلا في مكتبه بين المصادر والمراجع، يغني مشروعه بصبر وأناة وعشق. ورغم كل الظروف المحيطة به، وانخراطه في الشأن العام، فإنه لم يكن يتوقف، إلا لماما، وللضرورات القصوى.
صدر «الغني»، بعد أن طوره ليصبح معجما عاما، ثم وسعه ليصبح «الغني الزاهر». ليكون من أوسع وأغنى المعاجم العربية الحديثة. فهو يتكون من أربعة مجلدات، ويضم قرابة 66 ألف مدخل. كما أنه يتسع لعدد كبير من الاستشهادات بنصوص أدبية وتراثية، لكتاب من كل الوطن العربي، تصل إلى حوالي 10 آلاف، بالإضافة إلى شواهد إيضاحية (رسوم، لوحات، خرائط…) تتعدى العشرين ألف. إنه معجم يتميز بسهولة التعامل معه، ويعطي للباحث أيا كان مستواه مادة غنية ومتنوعة.
مثل هذه المشاريع التي تنحت في الصخر هي التي تبقى بعد انقشاع الغمة عن الأمة. هذه الغمة التي يعمل الظلاميون من المثقفين بمختلف ألوانهم وأطيافهم، رغم ادعاء العديد منهم العقلانية والعلمانية على إشاعتها والعمل على إطالة أمدها، لأنهم لا يستطيعون العيش إلا في الظلام. فإذا كان تجار السلاح هم من يعمل على إدامة صناعة القتل، فكذلك تجار الثقافة، لا يفكرون إلا في إطالة أمد الرداءة. لكن أصحاب المشاريع الثقافية الكبرى، يعملون بصبر وطول نفس لإزالة الغشاوة، وهم يفتحون منافذ للنور الضياء.
إن مشروع «الغني الزاهر» يبين بالملموس أن العمل الفردي، في غياب شروط العمل الجماعي المؤسسي الحقيقي، حين يضطلع به صاحبه وفق تصور دقيق وغيرة على الثقافة العربية، وعمل دؤوب، يمكن أن يحقق ما تعجز عنه المؤسسات التي ترصد الملايين. وفعلا حين نقارن هذا المجهود ببعض المعاجم العربية المؤسسية يبرز لنا الفرق واضحا.
انسحب الجابري والعروي والخطيبي… من ممارسة السياسة المبتذلة، ومن المتاجرة بالثقافة، وانكبوا على مشاريع ثقافية ستظل تدعو إلى التفكير والبحث. كما أن الكاتب في مجال الإبداع الفني والأدبي، يمكن أن يكون له مشروع إبداعي يكرس له حياته، ويعمل على تطويره من خلال مختلف كتاباته. ويكفي أن نعطي مثالا لذلك من نجيب محفوظ لإبراز أن المبدع العربي أيضا صاحب مشروع. وكلما كان المشروع قابلا للتطور والتطوير، ويعمل صاحبه على تحقيقه بوعي وإنجازه بمسؤولية وشغف وعمل متواصل، فإنه بكل تأكيد سيبلوره وفق الغايات والمقاصد التي يضعها، والتي تصب في اتجاه تجاوز الرداءة، وفتح كوى النور والأمل.
هل لك مشروع ثقافي؟ كيف تشتغل به، وعليه؟ هذا ما ينبغي للمثقف أن يهتم به ويعمل من أجله. وكل ما هو آت قريب.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...