موقع إخباري مغربي

أوباما ضد داعش.. إلى أين من هنا؟

 

ادريس الكنبوري

أخيرا اعترف الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، بأن صعود حركة”داعش” الإرهابية كان نتيجة”غير مقصودة” لعملية غزو العراق عام 2003، وذلك خلال تصريحات له لإحدى القنوات الفضائية الأمريكية. بيد أن أوباما لم يكن يقصد من كلامه، في غالب الظن، إدانة سياسة سلفه في الإدارة الأمريكية، بقدر ما كان يهدف إلى طمأنة العرب، الذين ضاقوا ذرعا بالإرهاب الديني، بأن التحالف الدولي، المشكل من ستين دولة بزعامة أمريكا، سوف يقوم بتصحيح الخطأ غير المقصود، وذلك بأن”يدفع تنظيم داعش ببطء خارج العراق”.

غير أن المشكلة ليست في وقوع الخطأ فحسب، وقد مر عليه ما يفوق عشر سنوات، بل المشكلة في ما هو التعريف الذي يعطيه أوباما لـ”خارج العراق”. يقال بأن هدف التحالف الدولي هو القضاء على “دولة” داعش، ولكن لم يُكشف حتى اليوم عن الاستراتيجية التي يسير عليها هذا التحالف وعن المخطط المستقبلي لما بعد القضاء على الحركة المتشددة، وما هو مصير الآلاف من المقاتلين الذين تدفقوا عليها من كل حدب وصوب؛ هل سيتم تذويبهم في أفران الغاز؟ هل سيتم تجميعهم في مراكز اعتقال شبيهة بغوانتانامو؟ أم ستفتح أمامهم أبواب العودة إلى الديار، كما يقول المحاربون الأمريكيون؟ وفي حال تحقق هذا السيناريو الأخير، ألا ينذر ذلك بإشعال فتيل حروب أهلية داخل أوطان العرب؟.

لم تورط الولايات المتحدة العراق فحسب، بغزوها لهذا البلد عام 2003، بل ورطت العالم العربي بكامله. فما تعيشه المنطقة اليوم ليس سوى تحولات الحالة العراقية، التي أنتجت أبشع أنواع الإرهاب باسم الدين، ممثلا في جماعة الزرقاوي التي ولدت منها حركة”داعش” الحالية. لكن العامل الرئيس لم يكن غزو العراق في حد ذاته، وإنما الغزو مضافا إليه التلاعب بالنسيج الطائفي العراقي، حتى بدأ يجري الحديث عن أقليات داخل العراق، تبعا للنغمة الاستعمارية القديمة في القرن التاسع عشر في الشرق الأوسط؛ فعندما يكون المجتمع العراقي مكونا من نسيج متعدد المذاهب والطوائف يصبح الحديث عن أقليات بمثابة إعلان حرب، وهو ما حصل بالفعل، وأدى إلى تفكك هذا النسيج، ولم تكن جماعة الزرقاوي سوى انعكاس لهذا التفكك الذي أنتج الظاهرة الإرهابية؛ فقد شجعت الولايات المتحدة الخطاب الطائفي، فكان لا بد أن تستثار النزعة الطائفية.

مع الحالة العراقية أصبحت الحالة الأفغانية في الثمانينيات من القرن الماضي من الأوراق الأرشيفية، لمن يريد الاطلاع فقط؛ فقد تجاوزت الحالة العراقية تلك التجربة عشرات المرات، إذ الأمر اليوم يتعلق بمشروع دولة في قلب المنطقة العربية في المشرق، وبآلاف الأنصار والمهاجرين؛ ثم إن هؤلاء يجمعهم كلهم مشروع واحد هو الذي تدعي حركة”داعش” التعبير عنه، خلافا للتجربة الأفغانية حيث كانت الانقسامات سيدة الموقف وسط”المجاهدين العرب”، وحيث كان الأمر يتعلق بخيام ومعسكرات لا بإقليم تبسط عليه دولة سيادتها بقوة السلاح، مما سهل أمر القضاء على تلك التجربة سريعا.

أظهرت الحروب السابقة في العالم العربي أن التحالفات الدولية التي تقودها الإدارة الأمريكية تكون نتيجتها المزيد من الحروب والتهديدات الإرهابية، وهو ما يُخشى وقوعه اليوم. لدى الولايات المتحدة ما تبرر به قيادتها للتحالف الجديد، لكن ماذا لدى العرب من مبررات لكي يخوضوا الحرب تحت مظلتها، وهم الذين يشتكون من الإرهاب باسم الإسلام؟، مجرد وجود واشنطن على رأس تحالف لمحاربة جماعة إرهابية تنسب نفسها إلى الإسلام كاف لخلخلة التوازن، لأن خطاب التشدد الديني يتغذى على معجم قديم لا تزال كلمة الصليبيين فيه ذات قيمة.

إن التخوف الرئيسي هو أن يكون المقصود بعبارة”خارج العراق” في خطاب باراك أوباما هو أي مكان آخر غير الشرق الأوسط، حيث إسرائيل والنفط؛ وإذا خرجنا من الشرق الأوسط فلا مكان آخر غير شمال إفريقيا، وقد أصبحت اليوم هدفا للجماعات المتشددة وعلى رأسها حركة”داعش” التي تسعى إلى تجميع أنصار لها في المنطقة، لتنهض بديلا محتملا لفقدان “دولة الموصل”. مثل هذا السيناريو يظل واردا، للسبب أعلاه، ولكن لسبب آخر يرتبط بقرب المنطقة من أوروبا، ولدى أمريكا أكثر من سبب لرؤية أوروبا وهي تتخبط على حدودها في حروب ضد الإرهاب.

مع انتشار الجماعات الإرهاب وتمدد حركة”داعش” فإن لا سقف للتوقعات، لكن شيئا واحدا لا يمكن توقعه وسط هذا الزلزال الذي ضرب العالم العربي، وهو احتمال مراجعة الولايات المتحدة الأمريكية لسياستها تجاه المنطقة العربية وقضاياها. وفي هذا النطاق فإن اعتراف أوباما بأن غزو العراق من طرف بلاده كان خطأ لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لمصير العالم العربي، فالنتيجة واحدة في النهاية، لأن الإدارة الأمريكية لا تبحث، ولا تريد، حلا حاسما لأي مشكلة، بل تجرب حلولا مختلفة بحسب السياق والمرحلة، ثم تختبر قوة تلك الحلول وفقا لمصلحتها. والقاعدة في السياسة الدولية الأمريكية أن واشنطن إذا ربحت فهي تربح بمفردها، لكن إذا تورطت فهي تورط معها الآخرين.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...