موقع إخباري مغربي

روبورطاج: الباعة المتجولون.. تُجّار أم رجال مطبخ!؟‎

انصاف بريس

حفيظ رقبي

“حْديثْ وْمَغْزَل” بطَعْمِ الطاجين المغربي

على بقعة أرضية بمطار مدينة سيدي إفني الذي لم يعد مطارا، رخّصت السلطات المحلية للباعة المتجولين إقامة خِيمهم وبيع سلعهم عند نهاية كل أسبوع مقابل ثمن رمزي حسب الحيز الذي يشغله كل بائع، حيث يؤدى الصنك في عين المكان للعون المكلف بذلك. والفرصة مناسبة ليعرض “الباعة المتجولون المتاجرون بالمواد المستعملة المستوردة” بضاعتهم دون خوف من تدخل القوات العمومية التي تمنعهم عادة من افتراش أرصفة الشوارع داخل أحياء المدينة بدعوى احتلال الأماكن العمومية أو عرقلة السير والجولان؛ مواد غذائية(خضر، فواكه، لحوم..) ومواد البقالة وملابس وأثاث منزلي وأجهزة كهربائية، وأشياء أخرى تراها معروضة هنا وهناك…

معظم الساكنة تتوافد على السوق الأسبوعي لشراء حاجياتها من خضر وفواكه، ومنهم من يستغل الزيارة للنبش في الخردة الأوروبية لعله يجد ما يغنيه عن شراء مستلزماته من المحلات التجارية باهضة الثمن. وليس أمام البائع المتجول سوى اقتناص الوقت المناسب لإعداد الطعام والشاي بنفسه بالتزامن مع عملية البيع والتفاوض مع الزبائن خصوصا بسبب ضعف الرواج.

بيع وطبخ وتبادل أطراف الحديث

 محمد أربعيني، من سكان مدينة كلميم (باب الصحراء)، متوسط القامة، لحيته وجلبابه يوحيان بتدينه والتزامه، طيبوبته بادية في طريقة تواصله وترحيبه بالزوار؛ يُعيل أسرته من خلال المتاجرة في البضاعة الأوروبية البالية، يشتريها بالجملة من المهاجرين القادمين من أوروبا كما من السياح الأجانب، فيعيد بيعها بالتقسيط، وتساعده سيارته القديمة على التنقل بين الأسواق الأسبوعية بالمناطق المجاورة، وعلى رأسها سوق الأحد بسيدي إفني وبيزكارن وأربعاء الساحل وخميس تيوغزة وجمعة تيغيرت…؛ وهو يفضل الأسواق الأسبوعية لأنه يستمتع في نفس الوقت بإعداد الطاجين المغربي على الهواء على طريقة “حْديث ومَغْزل” حسب المثل الشعبي.

محمد يعد الطعام بالحد الأدنى من المستلزمات، طنجرة معدنية بدون غطاء، سكين صغير، صحن، مجمر وشعاّلة (بريكيت)، ابريق وغلاي وثلاث كؤوس للشاي.. هي أواني لا تفارقه، لكنه قد يضطر أحيانا إلى اقتراض بعضها من أحد الباعة المجاورين عند الحاجة أو اقراضها إياهم، وبنفس العُرف يمكن اقتراض قليل من زيت الطهي أو بعضٍ من التوابل. ونادرا ما يضطر إلى اللجوء إلى المطاعم القريبة من السوق لشراء وجبة جاهزة.

على الأرض وضع كل شيء، تارة يجلس جلسة القرفصاء وهو يقطع الخضر واللحم، وتارة ينهض نحو الطنجرة الموضوعة على نار هادئة، وعيناه لا تغفل عن النظر إلى الواقفين أمام سلعته، وفي كل مرة يسأل زبونٌ عن سعر بضاعة ما لا يتردد محمد في التفاوض لإقناعه بصلاحيتها وجودتها ولا يترك طنجرته حتى يحس بأن الزبون جاد.

زبائن مهووسون بالمستعمَل الأوروبي

الساكنة والزوار وحتى السياح الأجانب على حد سواء يقبلون على اقتناء المواد المستعملة القادمة من الخارج، وبعض الباعة يتعمدون القدوم بسيارات تحمل لوحة أجنبية لاستقطاب المتهافتين على السلع الأوروبية. سائحة أجنبية، مسنة شقراءُ الشعر، اشترت بدورها مغرفة معدنية بعد تفاوضها على ثمنها بالطريقة المغربية… 

مصطفى (36سنة)، من المدمنين على القيام بجولة بالسوق الأسبوعي، يُبكر صباح يوم كل أحد لعله يكون سباقا لإيجاد سلعة أوروبية مستعملة بسعر منخفض وبجودة تفوق جودة المنتوجات المعروضة في المحلات التجارية؛ وفي ذلك يقول: “عندما أتوجه إلى هذا السوق لا يكون في بالي أن أشتري شيئا معينا بعينيه، ولكن أَحْمِل معي نقودا وبطاقة بنكية وأكون مستعدا على أمل أن أجد بين معروضات أولائك المهاجرين ما يروقني، سواء كان حذاء أو آلة كهربائية أو أثاث منزلي أو أي شيء أجده مناسبا لذوقي لكن شريطة أن يكون في حالة جيدة وبثمن أقل من الثمن الحقيقي، وقد لا أشتري شيئا فيكفيني أني أستمتع بتلك الجولة..”؛ غير أنه يسجل بأسى كبير تراجع العرض في الآونة الأخيرة.

تراجع الرواج

على الساعة الواحدة والنصف تقريبا أصبحت الوجبة التي أعدها محمد جاهزة؛ وفي انتظار أن تبرد قليلا، أدى محمد صلاة الظهر؛ وبعد بضعة دقائق أفرغ الطنجرة في صحن أبيض مناديا على ضيفيه، ابراهيم والبشير، زميلان له في الحرفة، فافترشوا قطعة قماش خاصة بحجب أشعة الشمس عن زجاج السيارة. وأثناء تناولهم لوجبة الغذاء لم يتوقف الحديث عن تراجع الرواج وضعف المدخول منذ الفيضانات الأخيرة التي ضربت المنطقة حيث انقطعت الطرق الرئيسية الرابطة بين كلميم وسيدي إفني وتيزنيت، إذ اضطروا طيلة أكثر من شهر إلى المكوث في منازلهم…

ابراهيم، مهاجر مغربي يتنقل بين المغرب واسبانيا، يؤكد على أن التسهيلات لم تعد كما كانت من قبل، مضيفا: “التسعيرة الجمركية أصبحت مرتفعة، فكلما ازداد وزن الحمولة إلا وارتفعت التكلفة…، كما أن المواد المستعملة لم نعد نحصل عليها بسهولة منذ أن لحقت الأزمة الاقتصادية بأوروبا”؛ أما البشير(43 سنة)، فيؤكد على أن هذه الحرفة لم تعد تدر عليه ربحا على النحو الذي كان عليه الأمر في السابق ليس بسبب الفيضانات فقط ولكن بسبب قلة المواد القادمة من الخارج؛ وفي نظر محمد، بلغة لا تخلو من بسط: “الباعة المتجولون يساهمون في اقتصاد وميزانية الدولة من خلال أداء ضريبة على الحيز الترابي الذي يعرضون فيه بضاعتهم…، لكن انظروا إلى تلك السيارات الضخمة الشبيهة بالبيوت المتنقلة والمركونة بالمطار غير بعيد من السوق… إن هؤلاء السياح يستفيدون بدون مقابل…”. ليقهقه الجميع.

 لكن بعد هنيهة، وبنبرة متحسرة، استدرك محمد قائلا: “أمام هول الكارثة التي أصابت المناطق الجنوبية بالمغرب، أصبح وصولنا إلى الأسواق الأسبوعية المجاورة مُكلّفا..، سياراتنا تتكبد الخسائر بسبب اهتراء الطرق الرئيسية وانقطاعها بين الفينة والأخرى عند هطول الأمطار، فأصبحنا نتردد في أخذ قرار السفر…؛ فمتى سيتم اصلاح ما فسد !؟”.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...