إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

أجراس الداخل إذ تقرع بانتظار من يسمع

فهمي هويدي

كثيرة هى أصوات التنبيه والتحذير التى علت فى مصر خلال الأسابيع الأخيرة. وهى ظاهرة صحية تحقق مرادها إذا وجدت من يسمعها ويتفاعل إيجابيا معها.

(١)
فى حين يدوى فى الفضاء الخارجى بيان البرلمان الأوروبى الذى انتقد انتهاكات حقوق الإنسان فى مصر فإن خطابنا الرسمى ظل على موقفه فى إنكار وجود تلك الانتهاكات. أما الأبواق الإعلامية ذات الصلة فإنها لجأت إلى التشكيك فى نزاهة الأغلبية البرلمانية التى أيدت إصداره، حتى أن جريدة الأهرام نشرت يوم الأحد ١٣/٣ تقريرا مطولا كان عنوانه: البرلمان الأوروبى وقع فى فخ التنظيم الدولى للإخوان. وتنافست بعض القنوات فى الترويج للرسالة. فاستضافت واحدة لواء سابقا صار عضوا بمجلس النواب قدم باعتباره قياديا فى ائتلاف «دعم مصر»، قال صراحة إن أعضاء البرلمان الأوروبى ليسوا منحازين إلى الإخوان فحسب ولكنهم «قبضوا» منهم (الذين أيدوا البيان ٥٨٨ عضوا) إلا أن أحد الإعلاميين فى قناة أخرى استكثر أن يتم الدفع لذلك العدد الكبير من أعضاء البرلمان الأوروبى، فقال إن الذى كتب البيان هو الذى قبض، رغم أنه لم يفسر السبب الذى دعا الأغلبية الكاسحة إلى تأييده (الذين اعترضوا على البيان عشرة أعضاء فقط).

المفارقة أن معلومات البيان الأوروبى لم تختلف فى شىء عن مضمون بيانات المنظمات الحقوقية المستقلة فى مصر، التى تتبنى موقفا سياسيا مناهضا للإخوان، ولا يستطيع أحد أن يدعى أنها منحازة أو «قابضة» منهم، لكنها أقامت حاجزا بين ما هو سياسى وما هو إنسانى، فضلا عن أن الانتهاكات لم تعد تستهدف الإخوان وحدهم، لكنها أصبحت قاعدة فى التعامل مع مختلف القوى الوطنية والسياسية المعارضة، بل مع المهنيين والمواطنين العاديين.

الملاحظة الأهم أن لهجة بيان البرلمان الأوروبى التى اتسمت بشدة غير مألوفة تزامنت مع دعوات المراجعة وتصاعد مؤشرات النقد والتحذير فى داخل مصر. وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن صوت الأجراس أصبح عاليا ليس فى الخارج فحسب وإنما فى الداخل أيضا.
(٢)
خلال الأسابيع الأخيرة ظهرت فى الفضاء المصرى مبادرات عدة، لمجموعات وأشخاص، جاء بعضها معبرا عن التحفظ والقلق، فى حين علت لدى البعض الآخر نبرة النقد، الذى تجاوز الخطوط الحمراء فى بعض الحالات. فحين أطلقت قبل أشهر قليلة دعوات تعديل الدستور إثر ملاحظة أبداها الرئيس السيسى وذكر فيها انه كتب «بحسن نية»، فإن ذلك دعا مجموعات الموالاة التى مثلت فى البرلمان إلى تبنى فكرة التعديل. إلا أن بعض عناصر النخبة المصرية استنفرت وقررت ان تتحدى ذلك التوجه من خلال مبادرتين إحداهما تبناها الدكتور سمير عليش حملت اسم «منتدى الحياة الدستورية والعدالة للجميع» والثانية قادها السيد عمرو موسى باسم «المؤسسة المصرية لحماية الدستور». بالتوازى مع ذلك طرح السيد حمدين صباحى مؤسس التيار الشعبى مبادرة أخرى دعت إلى توحيد القوى المدنية لتقديم ما أسماه «البديل المدنى» للسياسات وليس للأشخاص. واقترح الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح مؤسس حزب مصر القوية محاولة تجاوز الأزمة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

واقترح الدكتور سعد الدين إبراهيم إجراء مصالحة بين السلطة والإخوان، تقوم على اعتذار الأخيرين وتفهم نبذ العنف. وأصدر الاشتراكيون الثوريون بيانا دعوا فيه إلى اصطفاف وطنى يشمل الإخوان والتيارات الإسلامية لمواجهة الثورة المضادة وتحدى آلة القمع.

ثمة أصوات أخرى برزت داعية إلى بعض المراجعات ومعبرة عن القلق. فقد دعا زميلنا عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق إلى تجميد فكرة العاصمة الإدارية، ونقل عن أحد الخبراء وصفه لها بأنها بمثابة «انتحار اقتصادى». وانتقد الدكتور سامح العطوى الاستعجال فى حفر تفريعة قناة السويس قائلا إن مصر ستدفع فوائد بنسبة ١٢٪ على أصل ٦٠ مليار جنيه تكلفتها بسبب ذلك الاستعجال. أى أكثر من ٧٠٠ مليار فى السنة بمعدل أكثر من ٦٠٠ مليون جنيه فى الشهر، تعنى ٢٠ مليونا فى اليوم الواحد. وهى تكلفة تعنى الكثير لو أنها انفقت على مشروعات إنتاجية يمكن ان تنقذ الاقتصاد المصرى.

يوم ١٢/٣ نشرت صحيفة «المصرى اليوم» مقالة للخبير الإعلامى ياسر عبدالعزيز عنوانها: «تقرير لن يقرأه الرئيس» أراد به أن يضم صوته إلى المنبهين والمحذرين. واستشهد فيما كتب بآراء أربعة من الكتاب وصفهم بأنهم «ليسوا الأكثر حدة فى الانتقاد، ولا الأكثر إغراقا فى التشاؤم ــ ولكنهم من المؤمنين بـ٣٠ يونيو ومن المؤيدين للنظام، ومن أصحاب السوية النظيفة والمكانة المحترمة والاعتبار والنظر. شهادات الكتاب الأربعة جاءت على النحو التالى:

< كسيارة مندفعة تعطلت كوابحها، تبدو مصر أمام لحظة حرجة جديدة فى تاريخها الحديث.. هناك انكشاف يتمدد فى أبسط تفاصيل الحياة إلى أعقد ملفات الأمن القومى. وفى هذه الأحوال الخطرة لا يمكن استبعاد أى سيناريو مهما كانت قسوته» ــ عبدالله السناوى فى جريدة الشروق ــ عدد ٨ مارس.

< ربما لم تشهد مصر فى تاريخها المعاصر واقعا سياسيا شبيها بالذى تمر به الآن.. والحقيقة ليس لدينا نظام سياسى بالمعنى المتعارف عليه فى النظم الشمولية الناجحة، ولا بالطبع النظم الديمقراطية، وكل ما يقوله الحكم عن التنمية والانجاز نرى عكسه فى الإعلام والممارسة العملية ــ د. عمرو الشوبكى فى «المصرى اليوم» ــ ٩ مارس.

< لا أتمنى ولا أحد يتمنى أن تنفجر ثورة ثالثة قريبا. لكن طالما أن النظام يسلك نفس المسار الخاطئ، بدون وجود رؤية للمستقبل، وباستمرار الاعتداء على الدستور والشباب. وإقرار الأمن مقابل الحقوق والحريات سيؤدى ذلك كله إلى اضطراب اجتماعى وثورة. والغبى من يكرر نفس التجربة متوقعا نتائج مختلفة ــ الشاعر سيد حجاب فى حوار مع المصرى اليوم ــ ١١ مارس.

< فعلا أنا يائس من عمل أى شىء لهذا البلد الجميل، الذى أراه ينهار أمامى ولا أستطيع أن أفعل شيئا. الدكتور محمد أبوالغار فى مقالة بعنوان «حزين عليك يا وطن» نشرته المصرى اليوم فى ٧ مارس.

أضيف من عندى شهادة وقعت عليها فى مقالة للدكتور أحمد عبدربه نشرتها صحيفة الشروق فى ١٣ مارس تحت عنوان: عن نزيف مصر الذى لا ينتبه إليه أحد. إذ ختمها بقوله «السياسات الحالية طالما أنها لا تتغير، فستتحول مصر إلى بلد منبوذ. بل معزول. بلد يتعامل معه البعض على أنه منكوب. بلد يسمع البعض عنه لا منه عبر وسطاء، لأنه أصبح يلفظ الآخر».
(٣)
القراءة القلقة ليست مقصورة على الحاضر فقط، لكنها شملت رؤية المستقبل أيضا. وهو ما نبهتنا إليه كتابات اثنين من الذين شاركوا فى الدراسات التى أجريت لصياغة رؤية مصر ٢٠٣٠ التى تم إعلانها فى مؤتمر عقد قبل عشرة أيام. الاثنان هما الدكتور أحمد عبدربه أستاذ العلوم السياسية والكاتب الصحفى أيمن الصياد. ذلك أننا فهمنا أن ثمة اختلافا مهما بين المشروع الذى أعد لتلك الرؤية وبين الصيغة النهائية التى وزعت على المشاركين فى الاحتفال الرئاسى الذى أعلنت فيه. وهو ما فصل فيه زميلنا أيمن الصياد فى مقالته التى نشرتها الشروق يوم الأحد الماضى (١٣/٣). ذلك أنه نبهنا إلى الرؤية التى أعلنت وركزت على المستقبل فى جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فتطرقت إلى الطاقة والبحث العلمى والعدالة الاجتماعية والصحة والتعليم والثقافة والبيئة والتنمية العمرانية. وهى جوانب مهمة لا ريب، لكن الرؤية أغفلت ما أورده المشروع الأصلى بخصوص حوكمة السياسة الداخلية وترشيدها، واختزلت فكرتها فى فقرة واحدة تضمنتها النسخة التى تم توزيعها. فى حين أن الموضوع نال اهتماما خاصا فى المشروع، حيث تم تخصيص محور مستقل ومفصل للنظام السياسى المأمول، الذى وصف بأنه «نظام سياسى ديمقراطى يحترم مبادئ حقوق الإنسان ويقوم على سيادة القانون». وجرى التفصيل فى رصد معالم النظام الرشيد المأمول، من خلال التركيز على عناوينه التى تمثلت فى الديمقراطية والتعددية والعدالة والمواطنة وحقوق الإنسان وسيادة القانون وتداول السلطة.

الملاحظة مهمة ودلالة حذف المواصفات المرجوة للحكم الرشيد خطرة، لأنها تعكس تصورا للمستقبل يحذف السياسة ويركز على التنمية، وكأنها تتزعم المقولة التى ترددت حول عدم جدارة المصريين بالديمقراطية، وترحيل استحقاقهم لها إلى ما بعد ٢٠ أو ٢٥ عاما.
(٤)
ما سبق يعبر عن أحد أوجه الصورة ولا أحد يستطيع الإدعاء بأنه يمثل تمام الصورة. إذ لا يستطيع منصف أن ينكر الجوانب الأخرى التى تعبر عن القدر الملآن من الكوب، مع ذلك فإن تعلو الأصوات محذرة ومنبهة إلى ما هو فارغ فإن ذلك يعد عاملا جديدا فى المشهد له دلالته المهمة. ذلك أنها دالة على تصاعد مؤشرات عدم الرضا والقلق على الحاضر والمستقبل. وتكتسب تلك المؤشرات أهمية أكبر حين تصدر الأصوات من داخل صفوف الأنصار والمؤيدين. وإذا كانت المنظمات الحقوقية المستقلة فى مصر ظلت طوال العشرين شهرا الماضية تقف وحيدة فى الساحة محذرة ومنهبة إلى مغبة انتهاكات حقوق الإنسان، والتحقت بها فى وقت لاحق بعض فصائل المعارضة السياسية، إلا أن دائرة النقد استعت كثيرا وأصوات أجراس التنبيه والتحذير تعالت فى الآونة الأخيرة وظل رنينها عاليا ومسموعا فى أوساط ائتلاف ٣٠ يونيو الذى رفض الإخوان وأنهى حكمهم.

بطبيعة الحال فإن بعض دوائر الموالين هاجمت بشدة وشراسة تلك الأصوات الناقدة. خصوصا تلك التى دعت إلى حماية الدستور أو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وهؤلاء المهاجمون يتصدرون الهياكل التى شكلتها الأجهزة الأمنية ودفعت بها إلى صدارة المشهد فى البرلمان أو فى الساحة الإعلامية. إزاء ذلك فإن ما سمى بائتلاف ٣٠ يونيو اختلفت فيه المسارات، بحيث انقسم إلى فريقين أحدهما وقف مدافعا عن النظام وآخر رفع لواء الدفاع عن الدولة. الأولون برروا الأخطاء وتشبثوا بالقدر الملآن من الكوب، والآخرون لم يترددوا فى تسليط الأضواء على الأخطاء ودعوا إلى رؤية واضحة تحقق امتلاء الكوب.

يحدث ذلك فى ظروف بالغة الدقة، إذ تتعالى أصوات القلق بشأن ممارسات السياسة الداخلية وصراعات أجنحة السلطة بخصوصها، فى وقت تعانى مصر من أزمة اقتصادية خانقة وتهددها أزمة مائية يعلم الله تداعياتها ومداها مع تمام إنشاء سد النهضة الاثيوبى فى العام المقبل ٢٠١٧.

فى الحديث عن سيناريوهات المرحلة المقبلة تحدث الكاتب عبدالله السناوى فى مقالته التى نشرتها «الشروق» فى ٨/٣ عن «ضغوط غربية على السيسى لعدم استكمال مدته الرئاسية». ولا أعرف مدى دقة المعلومة، لكن الذى أعرفه أن النخبة الوطنية المصرية مدعوة الآن وأكثر من أى وقت آخر إلى التنادى لاستعادة وحدة الصف الوطنى وانقاذ البلد قبل فوات الأوان، كى لا يصبح مصيرها متروكا لضغوط الآخرين فى الخارج ومزايدات المنتفعين والمهرجين فى الداخل.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline