إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

أوردوغان العادل المستبد

 محمد عبد الوهاب رفيقي

بعد انتهائه من العرض الذي قدمه حول التجربة التركية، خلال فعاليات ورشة تفاعل الدين والسياسة في المجال العام ، والتي نظمتها مؤسسة قرطبة السويسرية بعاصمة العثمانيين، حرصت على تجاذب أطراف الحديث وقت الاستراحة مع محمد زاهد غول، الإعلامي والباحث السياسي التركي اللامع ، والذي يمكن اعتباره سفيرا لحزب العدالة والتنمية التركي عند العرب، بسبب سلاسة عربيته المبهرة، المخلوطة بلكنة تركية واضحة، وبسبب قدرته على الإقناع والترويج لمشروع حزب أوردوغان والدفاع عن خياراته ومواقفه.

سألته سؤالا مباشرا: هل يمارس أوردوغان الديمقراطية الداخلية داخل حزبه كما هو معمول به عندنا في بعض الأحزاب ولو نسبيا، خاصة عند الحزب الذي يشارك حزبكم المرجعية والاسم؟ ، أجابني بصراحة وبدون تردد: لا ، ولا قانون الأحزاب يلزمه بذلك، والرئيس هو من يتدخل لاختيار المناصب الكبرى داخل الحزب، بل هو من يختار بنفسه  مرشحي الحزب للبرلمان، وهو من يعين وزراء حزبه دون أي مسطرة داخلية.

قبل أن أفكر مليا في هذه الدردشة الصريحة مع غول، توالت الأحداث سراعا، أوردوغان ينتقد قرار المحكمة الدستورية بإطلاق سراح الصحفيين المتهمين في قضية تمويل الأتراك لتنظيم داعش، ويصرح : أنه لا يحترم قرار المحكمة ولن يلتزم به، محكمة الوصاية والجزاء تحكم بفرض الوصاية على جريدة زمان الأكثر انتشارا وقراءة بتركيا، قوات الأمن تقتحم مقر الجريدة وإغماءات وسط المحتجين، إغلاق وكالة جيهان للأنباء، وهي الوكالة الخاصة الوحيدة بالبلد، مصادرة جريدتي توداي زمان و أكسيون ، سجن مسؤولين اثنين بشركة بويداك القابضة بحجة تقديمهما الدعم لحركة كولن، الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي يعلنان عن قلقهما بخصوص حرية الصحافة بتركيا، الناطق باسم الخارجية الأمريكية يطالب أنقرة بحماية حرية التعبير والصحافة، الغارديان البريطانية البريطانية تصف أوردوغان بالمستبد عدو الصحافة الحرة، الأمم المتحدة تعبر عن انزعاجها من التضييق على حرية التعبير بتركيا،  نائب الرئيس الأمريكي بايدن قال قبل ذلك يأيام قليلة فقط  أن تركيا ليست نموذجا جيدا لحرية التعبير….

ليس من المقبول أن تحتل تركيا المرتبة السادسة عشرة  بين اقتصاديات العالم، وأن تكون الرقم 149 من بين 186 دولة في حرية التعبير، مما يوحي بهشاشة المسار الديمقراطي رغم كل هذه المنجزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل الخوف ألا تكون الديمقراطية عند أوردوغان وحزبه إلا مسلكا لبلوغ الحكم واستغلال ثقة الجماهير، وليس إيمانا متجذرا وقناعة راسخة

لاتخطيء العين المنصفة ما أنجزه أوردوغان لبلده منذ توليه الحكم عام 2006، ولا يملك الواحد منا إلا أن ينبهر بكل ما تحقق خلال هذه الفترة الوجيزة والوجيزة جدا في تاريخ الدول، فالتحول من المرتبة    111   في الاقتصاد العالمي إلى المرتبة  16   ، وارتفاع الدخل الفردي السنوي  من     350  إلى    11000 دولار ، وتصفية    16 مليار دولار من الديون، وما رافق ذلك من تطور هائل في البنيات التحتية والإدارة ، كل ذلك في عشر سنوات فقط، أمر أشبه بمعجزة لا يقدر على تحقيقها إلا عقول عبقرية في حجم عقل أوردوغان أو داود أوغلو ورفقائهما.

لكنه من الواضح جدا أن أوردوغان، الذي صرح أكثر من مرة بحلمه في استعادة أمجاد العثمانيين، وذكر خصومه دوما بأنه ومن معه أحفاد الفاتح وسليم وسليمان، لا يريد بذلك استرجاع الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية، فذلك منطق قد ولى لغير رجعة، ولكنه يقصد ما كان عليه أجداده من جدية وتفان وتقديم للتضحيات وبذل للنفوس في سبيل بناء الوطن، وما ورثوه في قلوب أحفادهم من عزة وأنفة وشموخ واعتزاز ، فإلى هنا والصورة ناصعة بل مغرية، ولكن الخوف أن يرث من سلفه طبائع الاستبداد، وكريات التسلط ، وجينات الطغيان.

فليس من المقبول ألا يرافق كل هذه المنجزات ديمقراطية داخلية، ومساطر صارمة في الترشح للمناصب، وقوانين دقيقة في طرق اختيار النواب والوزراء، وأن يتولى الرئيس ذلك كله، وأن يسير الحزب الحديث المعاصر بمنطق الإمبراطورية التي كان فيها سلطان الأستانة يخفض من يشاء ويرفع من يشاء، دون عودة للقواعد ولا استشارة لأحد إلا لحاشيته ومقربيه.

وليس من المقبول أن تحتل تركيا المرتبة السادسة عشرة  بين اقتصاديات العالم، وأن تكون الرقم 149 من بين 186 دولة في حرية التعبير، مما يوحي بهشاشة المسار الديمقراطي رغم كل هذه المنجزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل الخوف ألا تكون الديمقراطية عند أوردوغان وحزبه إلا مسلكا لبلوغ الحكم واستغلال ثقة الجماهير، وليس إيمانا متجذرا وقناعة راسخة.

وليس من المعقول في دولة كبرى كتركيا، تدبير الخلاف مع المعارضين بالأساليب التي عانى منها الإسلاميون أنفسهم زمن العسكر، واتباع نفس المسالك التي قطعت معها المجتمعات المتقدمة والدول المتحضرة.

أوردوغان الذي بلغ سدة الحكم على ظهر الديمقراطية، عبرت فلتات لسانه أحيانا عن مكنونات توجهه، فمرة يستحضر هتلر نموذجا للرئاسة القوية، وفي أخرى يستلهم دكتاتورية بوتين، أوردوغان يهيء لنقل الصلاحيات إلى مؤسسة الرئاسة وتغيير النظام من برلمانية تشاركية إلى رئاسية تنفيذية، وكأنه يريد استنساخ تجربة بوتين-ميدفيد، أوردوغان يستقبل عباس أبو مازن وسط مظاهر ضخمة من الأبهة واسترجاع التقاليد العثمانية التي كانت معبرة عن مدى التسلط والاستبداد…. إشارات مزعجة ورسائل مشوشة.

فإذا كانت تركيا نموذجا ملهما لكثير من الحركات الإصلاحية في بلداننا العربية، فإن من واجبها لتستوفي شروط الدولة القوية الأمينة، أن يكون إشعاعها السياسي، وإنجازاتها الاقتصادية، وتوزيعها العادل للثروات ، مترافقا ومتزامنا مع ملف حقوقي نظيف، وتوسيع تصاعدي للحريات، وقطيعة تامة مع التسلط والاستبداد.

 

 

 

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline