إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

اسكت لكي لا تصير أضحوكة

محمد بنعزيز

ما أمتع الامساك بالميكروفون لأطول وقت أمام جمهور مصغي. ما أحلى ان تكون لك الكلمة – اللوغوس. ما أحلى ان تتحدث حتى تشبع في محاضرة أو ندوة أو برنامج تلفزيوني. لكن هل لديك ما تقول؟

طبعا، ولكن تعتقد أن الآخرين ليس لهم ما يقولونه. وهذا وصف لمداخلاتهم من خلال وقائع متكررة بعد أن كثرت الندوات والورشات والقنوات والإذاعات وشاعت الميكروفونات وشاعت معها التفاهة والسفاهة…

هناك مسير يتحدث أكثر من المتدخلين، لم يحضّر أرضية ويردد لم أطيل ثم يستطرد لعله يقنص فكرة لم يجلبها معه. متدخل يثرثر لأنه لم يحرر مداخلة ويرتجل لأنه مغرور. بعد ساعة من الكلام يردد لن أطيل… إن أسكته يشتكي من القمع والإقصاء وإن تركته باسم الديمقراطية ضيع الوقت. يكرر ست مرات” نقطة أخيرة وأختم”. هذا على أنه يرتجل ويتذكر في الختام ما كان عليه قوله وتحريره قبل تسلق المنصة والالتصاق بالميكروفون…

يلتصق رغم أن كلامه إنشائي لا يساعد المتلقي على تشكيل رأي خاص به. لأنه يتحدث من المنطقة الرمادية، حين تطلب منه موقفا واضحا يعتبر أنك أستنطقته بطريقة بوليسية ويجرك للدرجة الصفر من الجدل… وقد حصل هذا لبرلمانيين ووزراء مغاربة وصار بعضهم أضحوكة ولم يتكلم ثانية.

حين يكون الميكروفون في يد من لا يملك خطابا فإنه يردد بادئ الرأي، يخبر بما هو معلوم… يبرهن على دلالة شكل الرمل، يردد فكرة لا تصمد للنقد… متدخل بعيد عن عرض وتحليل وتفسير الوقائع، بدل طرح أسئلة جوهرية يلجأ للمماحكة، لشخصنة الصراع، للشتم…

يحدث هذا لناقد سينمائي يعد بتحليل أداء عمر الشريف فيحكي عن عدد مرات زواجه، يحدث لوزير اللف في الهواء دون أرقام وتواريخ، يتحدث عن تهديد النملة للفيل وعن مشاريع عملاقة للنهوض بالبلد ستنفذ في غضون عام أو قرن. والغريب أن الصحافة الموالية تجد في كلام معاليه دررا وفصوصا من الحكم.

يسترخي المتحدث كما في المرحاض في مداخلات دون غلاف زمني مضبوط مسبقا. بل ويرفض تنبيهات مسير النقاش في التلفزيون أو البرلمان أو المهرجان أو الجامعة… يحتكر اللوغوس ويجهل انه يستحيل الحفاظ على انتباه الجمهور لمداخلة تزيد عن ربع ساعة كما بين دستويفسكي في رواية “الممسوسون”. والنتيجة ثرثرة مزمنة تدمر الروح عبر الأذن… تجعل المتلقي يردد قول هيراقليطس “أواه من أولئك الذين لا يعرفون كيف ينصتون أو كيف يتحدثون”.

يعاني الجمهور من محاضر يستسهل الكلام بالمجان، حين يقرأ يُضجر وحين يرتجل يخرج عن الموضوع فيبدو أن ليس متمكنا من موضوعه ينجرف مع خطابة فضفاضة إنشائية… يفتقد المعطيات فيعتمد لغة واعظ يتصنع التقوى، يقول ما يتماه وهذا لا حدود له… يعتبر توقعاته معطيات قال باحث في مركز دراسات بأن التساقطات خلال الموسم الفلاحي الحالي “تبقى استثنائية وهناك احتمال كبير بألا يتم تحقيقها خلال السنة المقبلة”.

يتوقع حتى في الطقس على بعد عام. يضع التخمين ووجهة النظر في نفس مستوى الحقائق والمعطيات. تهيمن عليه النوايا الحسنة والحبية وإنشاء الله والخير قادم… متأثر بمعجم الصحافة الصفراء ومعلقي كرة القدم، يستخدم لغة واصفة فقيرة، يروج مفاهيم فضفاضة، يختلق مفاهيم لا جذور لها في تربة المعرفة. يتحدث خارج مجال اهتمام مستمعيه. يفتقر لسلطة المثال لذا لم يؤصل ملاحظاته حتى يفهم المتلقي أين ومتى وكم؟

لا جواب لدى المحلل الثرثار وهو قارئ فنجان. تسأله عما يجري فيشرح لك ما ينبغي أن يجري. يقرأ الفنجان في الميكروفون… يطلب منه الحديث عما يجري فيشرع في شرح ما يجب أن يكون فيرسم صورة مثالية مضللة للوضع… يخلط بين الوقائع وأمانيه. لم يقرأ قول هنري برغسون بأن “اللغة تشترط أن نضع بين أفكارنا تلك التمييزات الواضحة والدقيقة نفسها، وكذا الانقطاع نفسه الذي يحدث بين الأشياء المادية”. يجب أن تكون الأفكار واضحة كما الأمكنة. متدخلنا يعتمد على حدسه الطيب ويعتبر أنه لا توجد فوارق بين توحيد ألمانيا وتوحيد اليمن السعيد. يقرر ماكس فيبر أن “الاستفاضة في الخطابات الحدسية تحجب العجز عن التمايز عن موضوع الحديث وهو عجز يدل على قصر النظر”.

حاليا الخطاب الشفوي الرسمي الأكثر حضورا في الحياة الاجتماعية هو الفتاوي وخطب الجمعة، وفيه يتحدث الخطيب عن كيف ينبغي أن يكون المؤمن المثالي. وباستمرار تقع انزلاقات تتسبب في فتن. آخر مثال فسر خطيب جمعة وقوع زلزال خفيف شمال المغرب بفسق سكان المنطقة. وقد قامت وزارة الأوقاف بتوقيف ذاك الخطيب…

كثيرون لا يتم توقيفهم في الندوات لأن المسير حريص على صورته كديمقراطي يتجنب قمع من يثرثر.

يستمد المحلل الثرثار شرعيته من غروره أو من شهادته الجامعية، يريد أن ينظر دون أن يكون مطلعا على ما يكفي من المعطيات. لا يطالع ولا يخلو بنفسه ساعة ليفكر ويريد أن يحلل. النتيجة أنه انطباعي جدا، يتكلم كثيرا ويجعل الفهم عسيرا ينهك المتلقي بالبحث عن منطق في خطابه

يفتقر المحلل الثرثار لخطاطة منهجية وتأطير نظري يوضح الصلة بين الوقائع، يفتقر لخطاطة منهجية للتناول… هنا يصير الخطاب عائقا ابستيمولوجيا. من لم يفهم أولا لن يشرح لغيره بعد ذلك.

المأساة هي حين يكون المتدخل سياسيا متحزبا يصير الإصغاء له محنة. يطرح اسئلة مباشرة وليس أسئلة أشكالية. واضح عدم تطابق كلماته وحركات وجهه ويديه. يبدو أنه يحفظ ما يقوله أكثر مما يفهمه. يسهل تذكيره بتناقضاته، وحين يقع الفرد في التناقض بين سلوكه وقوله يكون قد سحق نفسه في النقاش العمومي. يصير يساوي صفر…

هذا نموذج لاستسهال اللوغوس، وهو كلمة يونانية تعني الخطاب المبدأ والعقل. ويعرف الكتاب المدرسي في الثانوية المغربية اللوغوس بأنم مجال التعبير والقول والخطاب، مجال الاستدلال والحجة والعلم، مجال النظام والمبدأ والعلة الجوهرية .

هذه قواعد بعيدة عن القص واللصق والارتجال في الخطاب السائد حاليا. الكتابة والخطابة ليس فعلا تلقائيا. إنتاج خطاب لا يخضع للحظ والقُبول والصدفة. مطلوب مفاهيم. مطلوب تحليل، مطلوب استدلال من محاضر لم يعلمه الله الأسماء كلها. لا تفكير حقيقي دون مفاهيم. المفاهيم في التحليل نظير الأوزان لدى بائع الذهب. يستند التحليل إلى معلومات تفصيلية وليس على نوايا تشيع الوهم…

كيف وصلنا إلى هنا؟

بسبب التطفل واحتقار المتلقي. بسبب منح الكلمة للصاحب المضمون فيما سيقوله. لا يهم المضمون بل تهم العلاقات العامة لذلك يكرر “نقطة أخيرة وسأختم” يلتصق بالميكروفون، يريد أن يتكلم ليلمع. لكن كلما تكلم كشف نفسه. كثيرون يعتقدون أن المداخلات والمقالات التي تعد في نصف ساعة ودون توثيق وتدقيق ستشُد المستمعين وستفيدهم. أضغاث أحلام

الميكروفون سلاح ذو حدين، وعلى من لم يتعود إنتاج خطاب أن يتواضع ويتجنب الحديث طويلا كي لا يذبح نفسه بلسانه. لكي لا يصير أضحوكة.

أرجوك.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline