إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

مسيرة 13 مارس لم تنتهِ بعد!

حسن حمورو

مجددا يعطي الشعب المغربي الإشارة بأنه ما يزال يقظا ومستعدا للتضحية من أجل الوطن، ويعبر بكل عفوية على عمق المكانة الخاصة التي تحضى بها الملكية عنده، وبأنه قابل لأن يخوض البحر اذا طلب منه ذلك، بهدف الحفاظ على استمرار واستقرار الدولة المغربية الضاربة بجدورها في التاريخ والممتدة في الجغرافيا أيضا.

مسيرة يوم 13 مارس، لا ينبغي التعامل معها على أنها لحظة احتجاج عابر لجماهير شعبية ضد تصريحات مستفزة لمسؤول أممي فحسب، لأن أغلبية من جاؤوا من كل فج عميق في البلاد، لا يكادون يعرفون شيئا عن بان كي مون ولا عن الأمم المتحدة وعلى عن مسار تدويل قضية الصحراء المغربية، وبالكاد يستحضرون اسم بان كي مون وصورته في تمثل جماعي لصورة “الانسان الأصفر”، أو يرددون عبارات التقطتها أسماعهم من محطة اذاعية أو تلفزية أو عناوين أخبار الجرائد الورقية والاليكترونية.

إن المغاربة الذين خرجوا في مسيرة 13 مارس، لبوا النداء لأنهم استشعروا من خلال التعبئة التي سرت خلال أقل من 48 ساعة، في مختلف مناطق البلاد في مؤشر على حيوية الدولة بمختلف مشمولاتها، أن وحدتهم الوطنية والترابية في حاجة إلى خروجهم والتضحية بوقتهم وأنشطتهم الحياتية المعتادة، لكنهم يقينا لم يخرجوا ليتم استغلال صور مسيرتهم في اتجاه واحد فقط بعلمهم أو بدون علمهم، وإنما أرادوا أن يعطوا الفرصة ويبعثوا بالرسائل إلى الداخل أكثر منه إلى الخارج، كما فعلوا أيام السجال حول ما سمي الخطة الوطنية لادماج المرأة في التنمية، وكما فعلوا كذلك خلال حراك 20 فبراير.

بان كي مون في نهاية المطاف ليس سوى موظف وواجهة نظام عالمي ظالم يُشرف على مواكبة تنفيذ وتنزيل مخططات لا مصلحة للشعوب المستضعفة فيها، ولا يعنيه إعمال ظاهر القوانين الدولية ولا الالتزام باحترام إرادتها ورغبتها، والمغرب ليس جزيرة معزولة وليس بمنأى عن مخططات القوى العالمية المستهدِفة لخريطة العالمين العربي والاسلامي، وبكل تأكيد تقويض مقومات وحدته مطروح على الأجندة لاعتبارات يتداخل فيها الجيوسياسي بالحضاري، لذلك فتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة المجحفة في حق المغرب، قد تكون صدى لمصالح جزائرية ضيقة، لكنها حتما تسير في سياق محاولات اعادة ترتيب المشهد السياسي والجغرافي ايضا بالمنطقة، مواصلة لتنفيذ مخطط ما بعد سايكس بيكو، وأيضا تعبيرا عن التضايق والانزعاج من مسار التعاون والانسجام الذي يظهر أنه بات قائما في البلاد بين الملكية والقوى الوطنية الصادقة، ومن الطموح المشروع للمغرب في استقلالية القرار السياسي والاقتصادي.

لذلك على الجميع أن يستفيد من درس مسيرة 13 مارس، ويعتبر أن رسائلها موجهة للداخل أكثر منه للخارج، وبالأساس موجهة إلى نخبة القرار السياسي والتدبيري، بأن تنسجم مع توجهات هذا الشعب وثوابته التي ترسخت عبر تراكم سنوات من التضحية بالدم وبالروح، وألا تستمر في التعامل معه كتابع غير عاقل أو ناقص عقل بفرض ثقافة لا علاقة لها بتاريخه، أو فرض نخب تدعي تمثيله وهي لا تؤمن به ولا تقدّره، وتتعالى وتتعالم عليه ببرامج ومشاريع التحديث القسري التي تشوه صورته.

مسيرة 13 مارس لا ينبغي أن تنتهي بانصراف وعودة من شاركوا فيها إلى بيوتهم راشدين سالمين، وإنما يجب أن تتواصل بالتذكير بحقيقة حسم المغاربة لعلاقتهم بالملكية القائمة على البيعة وفق ما يُمليه عليهم دينهم، وعلاقتهم بأرضهم ووطنهم القائمة على الاستعداد الدائم للتضحية من أجله، ويجب أن تتواصل أيضا بتذكير الأحزاب السياسية بضرورة مراجعة مرجعياتها المستعملة في الصراع المشروع على السلطة، ومراجعة قاموس خطابها الذي يتجاوز في احيان كثيرة حدود ما يمكن تفهمه بمعايير التنافس الداخلي، إلى بعث إشارات يلتقطها الخارج فيكون من نتائجها تدخل غير مباشر من خلال آلية التقارير الدولية المحبطة للجهد الجماعي وإن اعترته أخطاء ونواقص.

ولعله من المفيد أيضا أن تكون مسيرة 13 مارس تذكرة لتيارات تعلن مواجهة الملكية الموحِّدة، وتستثمر في كل صغيرة وكبيرة في هذه المواجهة، وتحرم الوطن الجامع من خدماتها، بأن نجاح المسيرة هو دليل إضافي على عزلتها وتحركها على هامش المسار، ورسالة لها أيضا لتعديل بوصلتها للإسهام في صد ما هو أكثر خطرا، تشتغل عليه تيارات أخرى تراهن على الزمن في معركة استراتيجية ضد اسلامية الدولة من مدخل إضعاف الحضور المؤثر للملكية عبر صفة امارة المؤمنين، هذه التيارات لها تمظهرات خداعة وتتلبس على المواطنين بشعارات تنهل من المرجعية نفسها التي أملت على بان كي مون ما فعله وما قاله.

بكلمة، المغاربة البسطاء الطيبون الذين ربما لا يتذكرهم الكثيرون إلى لحظة “تسول” الأصوات الانتخابية، يقولون لنخبة القرار قووا الوحدة باجراءات الديمقراطية المستوعبة للاختلاف الراسمة لحدوده، وبإجراءات العدالة المجالية والاجتماعية الضامنتان لاستدامتها، أما مناورات الخارج فلن تنتهي لا بشجب تصريحات مسؤول أممي ولا باستباق تقارير وقرارات مجلس الأمن على أهميته في هذا النزاع المفروض على المغرب !

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline