إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

تحولات الدبلوماسية المغربية

محمد بالدوان

طَلّق المغرب الدبلوماسية السرية منذ زيارة الملك محمد السادس إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء في مارس 2013، وأوقعه ذلك في مواجهة مع فرنسا انتهت بتعليق المغرب التعاون القضائي مع فرنسا سنة 2014، ولم يستأنفه إلا سنة 2015، بعد استيعاب فرنسا معالم الدبلوماسية الجديدة للمغرب، واعتذارها بشكل غير مباشر عن توقيف مدير الاستخبارات الداخلية عبد اللطيف الحموشي حين احتفلت به باريس ووشحته بوسام الدولة الفرنسية.

فما معالم هذه الدبلوماسية الجديدة؟ وما العوامل التي ساعدت المغرب بتغيير سلوكه الدبلوماسي؟

أدخل المغرب دبلوماسيته الجديدة حيز التطبيق بمواجهة الدولة التي استعمرته مثلما أشرت أعلاه، ويشير ذلك إلى عزيمته القوية ورغبته الجامحة في التغيير.

يمكن تسمية هذا السلوك الدبلوماسي بالـ”المواجهة المكشوفة” التي تراهن على انتزاع الحقوق والمصالح عبر الضغط السياسي أو الاقتصادي.

سيعيد المغرب ذات السلوك الدبلوماسي، النازع إلى المواجهة المكشوفة، حين أعلنت الحكومة المغربية في 25 من فبراير 2016 تعليق الاتصال مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي بعد اتخاذ محكمة العدل الأوروبية قرار وقف استيراد المنتجات الفلاحية والبحرية من المملكة، خاصة القادمة من الأقاليم الجنوبية. فهرعت الممثلة السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد “فيديريكا موغيريني” إلى زيارة المغرب للتأكيد على سريان الاتفاق الفلاحي، وعلى رفض قرار المحكمة من قبل مجلس الاتحاد الذي يحدد التوجهات الكبرى للإتحاد الأوروبي.

ولا عجب في أن يجنح المغرب إلى عرقلة نشاط شركة متعددة الجنسية، وذات أصل سويدي، داخل ترابه أواخر شتنبر 2015، حين تمادى البرلمان السويدي في معاداة الوحدة الترابية للمغرب، خاصة إذا أعطى المغرب فرصة للساسة السويديين لمراجعة مواقفهم بعد اتخاذهم قرار الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية منذ 2012. طبعا بإمكان المغرب تبرير قرار منع تأسيس شركة “إيكيا” بمسوغات إدارية، ومواجهة الشركة بافتقارها إلى شهادة المطابقة !

وبعد زيارة بعد القيادات الحزبية الاشتراكية المغربية للسويد بإيعاز من الحكومة المغربية، وبعد النقاش الساخن الذي عرفه البرلمان السويدي بحضور وزيرة الخارجية “مارغوت فالستروم” مطلع يناير 2016 بخصوص المغرب وفلسطين، وبالرغم من أن اتجاه النقاش لم يسلم من جنوح بعض الأطراف إلى معاداة المغرب، يبدو أن السويديين رجحوا مصلحة بلادهم في عدم معاداة المغرب، خاصة وأن الأخير بلد مستقر، وصار يلعب أدوارا طلائعية في صناعة الاستقرار السياسي(نموذج ليبيا)، ومحاربة الإرهاب داخل المغرب وكشف خططه وتهديداته وقياداته في أوروبا. ولذلك قد يُرَخَّص للشركة المذكورة فتح أبوابها في المغرب يوم 16 من مارس الجاري، خاصة إذا ساهمت الشركة بالضغط على الأطراف السياسية السويدية، كما تفعل عادة الشركات المتعددة الجنسية.

وما انزلاقات “بان كي مون” الأخيرة أثناء زيارته مخيمات تندوف، إلا تعبير عن أطراف دولية تريد ترويض المغرب بملف الصحراء عن طريق هيئة أممية يفترض فيها الحياد. لكن في نفس الآن سيزيد موقف الأمين العام الغريب المغرب قوة إذا شرعت الدبلوماسية المغربية بتزعم حملة ضد العمل الأممي المنحاز.

لم تكن الدولة المغربية لترفع سقف عملها الدبلوماسي لولا انخراطها منذ 2011 بشكل جدي في مسار ديمقراطي يسلم السلطة إلى من يختاره الشعب، كما أنها بدأت تحظى باحترام دولي إذ عبرت عن قدرتها على الاستجابة لالتزاماتها الدولية بعد إجراء إصلاحات هيكلية مست الميزانية العامة والقضاء.

هذا وقد أبان جهازها الأمني، في فترة جد مضطربة، لم تسلم من نارها حتى الدول العظمى، عن قدرته على حماية التراب المغربي من عدة ضربات ارهابية نوعية، بل تمكن من فك شفرات الاعتداء على فرنسا وتدارك ضربات أخرى محتملة في كل من فرنسا وبلجيكا. بل إن كل متابع موضوعي للسياسة الأمنية المغربية يدرك أن المغرب يملك معطيات أخرى يدخرها للإستخدام في الوقت المناسب.

إن أكبر خطر تخشاه الدول، ويؤثر سلبا في علاقاتها الدولية، هو تهديد أمنها القومي، فإذا تمكن المغرب من ضبط المعادلة الأمنية بنسب نجاح عالية، فما المانع من ألا يجنح إلى فرض أجندته السياسية على الدول والتكتلات التي تهدد مصالحه الاستراتيجية؟

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline