إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

“ضريح” الأمازيغ

محمد أحداد

قبل أسبوع من الآن دعاني الأستاذ حسن أوريد إلى زيارة جبل صاغرو تخليدا لروح الطالب الأمازيغي “إيزم” الذي قتل “غدرا” من طرف جماعة تستحي أن تكتب أنها تنتمي إلى الجامعة. كنت أعلم أن موت “إيزم”، يشكل حدثا بارزا لدى الأمازيغ، ولدى الحركة الأمازيغية، التي بدأت نضالاتها منذ عقود من أجل أن تصير الأمازيغية جزء من الحياة الثقافية والسياسية بالمغرب. وكنت أعلم أيضا أن موت “إيزم” سيحرض تيارا واسعا كان اختار الانزواء، على العودة إلى الساحة الثقافية، وكذلك كان.

إلى هنا تبدو الحكاية عادية جدا، لكن التصريح الذي خرج به أحمد الدغرني أحد أبرز الوجوه الأمازيغية، يدعو إلى التفكير من جديد في طرح الحركة الأمازيغية. قال الدغرني في لحظة انتشاء ربما إنه يجب أن يتحول قبر إيزم إلى ضريح يزوره الأمازيغ من كل فج عميق. قد يكون التصريح عاديا ومجازيا، لكن مبدأ علمانية الدولة الذي دافعت عنه الحركة الأمازيغية منذ نشأتها، يتناقض تماما مع ما قاله الدغرني، ومهما كان قصده، فإنه أخطأ التعبير، إذ أعطى الانطباع أن القضية الأمازيغية يمكن اختصارها في مجرد قبر.

لا أفهم كيف أن حركة ثقافية وسياسية بنت أطروحتها على العلمانية، تسمح بأن يتحول قبر إلى مزار، فإما أن الخرافة تسربت إلى مخيلة الدغرني دون أن يشعر بذلك وإما أن جزء من الأمازيغيين يريد أن يختصر القضية الأمازيغية في المغرب في مجرد قبر. نجح”استشهاد” إيزم في أن يلم الآلاف من الأمازيغ، بل استطاع أن يجمع شتاتا كان قد تشظى عشية تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية في لحظة نادرة جدا حضر إليها كل الذين يتصارعون حول من يمتلك مشروعية الدفاع عن مطالب الأمازيغ: حضر المناهض للمخزن، والمتفاوض معه، والعاشق له،.. ولا حرج.

هذا النجاح في لم الشتات، لا يمكن أن يعمينا عن طرح أسئلة حارقة حول مستقبل الحركة الأمازيغية: ما الذي يمكن أن تقدمه بعد دسترة الأمازيغية؟ ولماذا خفت صوتها؟ وكيف يمكن أن تستثمر موت إيزم لبناء خطاب أمازيغي جديد يبتعد عن الطرح التقليدي؟ ثم هل تقدر على تدبير خلافاتها التي عمرت طويلا؟

الأمازيغية لم تعد في حاجة إلى الاعتراف، واللذين يبحثون عن ذلك، سيضيعون وقتهم في معارك خاسرة. الذي يهم في المرحلة الحالية هو أن تشكل الحركة الأمازيغية لوبيا ضاغطا قادر على التدافع السياسي وإحراز المزيد من المكتسبات دون السقوط في الخطأ القديم الذي جعل جزء كبيرا من الأمازيغيين يهملون العمل السياسي. لقد حان الوقت أن تتحول الحركة الأمازيغية إلى حركة ذات أفق سياسي، ولنترك التراكم الثقافي للمبدعين والكتاب والفنانين، وما لم يتبلور هذا الأفق السياسي، في هذه اللحظة، فإن خطابها سيبقى مكرورا ولا يغري أحدا.

لا نريد أن تصنع الحركة الأمازيغية الأصنام والأوهام كذلك، لأن ذلك لن يجدي في شيء، ولا نريد أيضا أن يبحث مناضلوها عن أحداث مهما كانت طبيعتها للتذكير بأن الأمازيغية ما تزال تسري في دماء أبنائها. نقاش الهوية أصبح محسوما بقوة الدستور وبقوة التراكم الحاصل، ولن يستطيع أحد أن يهد ذلك، وعلى هذا الأساس، تبرز الحاجة إلى تجديد خطاب الحركة الأمازيغية على المستويين السياسي والثقافي. نحن لا ننكر أن خطابها شكل لعقود طويلة “خيارا ثالثا” سواء داخل الجامعة أو في الشارع، لكن المتغيرات السياسية والثقافية، تجعل هذا الخطاب مرتكنا إلى الجمود..والجمود في نهاية المطاف مرادف للتكلس والموت.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline