موقع إخباري مغربي

المعركة مستمرة

توفيق بوعشرين

وضع ناصر بوريطة، في أول لقاء له مع الصحافة كوزير منتدب في الخارجية، النقاط على الحروف، وسلط الضوء على بعض الخلفيات التي لم تظهر للرأي العام حول انحراف الأمين العام للأمم المتحدة، بان كيمون، الذي اختار، في الستة أشهر الأخيرة من عمر وظيفته، أن يرجع عقارب الساعة إلى الوراء، وأن يقتل مشروع الحكم الذاتي الذي نوه به مجلس الأمن أكثر من مرة باعتباره حلا سياسيا جديا وممكنا، في حين يحاول الدبلوماسي الكوري الآن إحياء مشروع الاستفتاء الذي اتضحت صعوبة تحقيقه على أرض الواقع، لأن الخلاف حول الهيئة الناخبة كبير بين الطرفين.
خلف المعركة الإعلامية والدبلوماسية، التي تخوضها الرباط ضد الأمين العام للأمم المتحدة، أكثر من الجواب عن خطأ وصف المغرب بالمحتل في المنطقة العازلة، وأكثر من الرد على انحراف بان كيمون الذي تحول من وسيط إلى طرف.. خلف هذه المعركة غير المسبوقة، التي يخوضها المغرب مع الأمم المتحدة، محاولة لكسر الجمود السياسي والدبلوماسي الذي يطوق ملف الصحراء منذ 25 سنة، ويجعل الجزائر في موقف هجوم مستمر والمغرب في حالة دفاع مستمر. يعرف خبراء الاستراتيجيات العسكرية أن وضع اللاحرب واللاسلم وضع مزعج وخطير أحيانا، وقد يكون مكلفا جدا للطرف الذي يدافع عن قضية عادلة، في حين يحاول خصمه كسب الوقت وإطالة عمر النزاع وتوسيع رقعته واستنزاف طاقة خصمه.
لا نخرج من أزمة إلا لنسقط في أخرى، وكل سنة نعيش في المعدل ثلاث إلى أربع أزمات دبلوماسية سببها نزاع الصحراء ومناورات الجزائر التي تفرغ وزير خارجيتها، رمطان لعمامرة، لملف الصحراء كليا، ووضع كل أجهزة وأدوات دبلوماسية الجزائر رهن البوليساريو. لاحظوا أننا في هذه السنة عشنا أزمة مع السويد، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الاعتراف بالبوليساريو بسبب الجزائر ولوبيات الضغط التي وظفتها في البلدان الاسكندنافية، وعشنا أزمة مع المحكمة الأوروبية التي أسقطت الاتفاق الفلاحي بين الرباط وبروكسيل، ووصلت إلى درجة اعتبار البوليساريو ممثلا وحيدا للصحراويين، وقبل هذا عشنا معركة مع مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة التي كانت تريد توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، وقبل هذا عشنا معركة «دار دار زنقة زنقة بيت بيت» مع الدبلوماسية الجزائرية التي تطوف حول العالم لمحاصرة الفوسفاط المغربي تحت شعار: «استغلال المغرب للثروات الطبيعية لمنطقة متنازع عليها»، وهكذا تتحرك الجزائر في كل مكان من العالم لحصار المغرب، مرة بشراء الاعتراف بالجمهورية الصحراوية في جمهوريات الموز، ومرة بالتضييق على المغرب في موضوع حقوق الإنسان، ومرة برفع شعار استغلال الثروات الطبيعية من قبل المغرب، ومرة بتحريك بوليساريو الداخل من أجل بث الفتنة في العيون والسمارة والداخلة، واستفزاز العقل الأمني للمملكة المغربية، ودفعه إلى التدخل العنيف لتوظيف هذه الورقة في الخارج.
إذن، يتساءل المرء: ما قيمة وقف إطلاق النار، الذي تحرسه الأمم المتحدة منذ 1991، إذا كانت الجزائر وجبهة البوليساريو قد أسكتتا المدافع في رمال الصحراء وتطلقان النار في كل مناطق العالم وعواصمه المؤثرة ومنظماته الدولية والإقليمية ضد المغرب؟
رسائل المغرب من وراء المعركة الحامية مع بان كيمون موجهة إلى هذا الأخير، وإلى طاقمه البيروقراطي في المبنى الزجاجي في نيويورك، وموجهة إلى الجزائر التي تمادت في استفزاز المغرب وخلق متاعب متواصلة له في كل مكان من الساحة الدبلوماسية العالمية، ثم إن رسائل المغرب موجهة، ثالثا، إلى القوى الكبرى في مجلس الأمن، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك 90٪‏ من الأوراق في الأمم المتحدة (لاحظوا أن أمريكا لم تعلق على كلام بان كيمون، ولم يصدر عنها أي بلاغ أو تصريح أو حتى إشارة تفيد بأن الأمين العام أخطأ عندما خرج عن تحفظ الدبلوماسيين وكياسة الموظفين الأمميين).
نحن في الجولة الأولى من معركة طويلة، ولهذا يجب تهييء كل الأسلحة لمواجهة المخاطر والمؤامرات والضغوط التي ستنزل فوق رأس المغرب في حرب طويلة دبلوماسية وسياسية، وربما عسكرية أيضا. أول هذه الأسلحة، التي يجب الحفاظ عليها وتقويتها، هو الجبهة الداخلية الموحدة والمعبأة، والمستعدة للضحية من أجل الصمود في رمال الصحراء. ثاني سلاح هو التجربة الديمقراطية الفتية في البلاد، والتي تعطي طاقة وزخما وأوراق إقناع واستماع لدبلوماسيينا في الخارج.. هذه التجربة يجب تحصينها وحمايتها من اللعب الصغير الذي يتحرك هذه الأيام مع قرب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. السلاح الثالث هو أصدقاؤنا في العالم الذين يجب إقناعهم بمساندتنا، وخاصة فرنسا وأمريكا ودول الخليج.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...