إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

( 2 ) الفكر الترابي والمرونة الاستراتيجية

ادريس مستعد

كانت وفاة المفكر حسن الترابي، رحمه الله، فرصة للوقوف عند التجربة السودانية مع ما لها من سلبيات و ما عرفته من انشقاقات و خذلان لمن جمعهم الهم و القضية، فللسياسة منطقها، و رغم ذلك تبقى فرصة للدراسة و إعادة النظر و الاستفادة .

توقفنا في الجزء الأول حول “تجربة الشمول و الاعتدال” من خلال ربط الفكر بالواقع النسبي، و مقاصد الأحكام بحركة الوقائع، و البصيرة الواقعية التي توحد الدين بالحياة،و قلنا أن هذا الفكر استطاع الوصول إلى أفراد الشعب بوسائل مختلفة كالمحاضرة والخطابات. .

من تجربة الميثاق إلى الجبهة القومية :

كان تقديم المحاضرات و قراءة الصحف و الكتب ديدن الطلاب، أما خارج الجامعة فكانت جبهة الميثاق و المنظمات الشبابية و النسائية و الوطنية تقوم بالتعبئة للدستور و وضع الدراسات في هذا الميدان، و انخرطت كل فئات المجتمع في ذلك، و تم الانفتاح على القبيلة و الطائفة و الطرق الصوفية، و لم يعد الأمر عملا وعظيا بل تيارا فكريا و تعبئة سياسية يقوم بها أطر واعون، فالاهتمام بالطلبة رهان مستقبلي للدولة، امتداد في الوظائف الحديثة و تعامل مع الفكر و الحضارة.

أما الوعي النسائي فقد تجلى في التعامل مع المرأة من خلال ثلاثة مواقف: الأول يساير العرف التقليدي في النظر إلى المرأة باعتبارها تبعا للرجل. الثاني يبدأ مع عهد الحرية ( أكتوبر 1964) استجابة للتحدي الخارجي، حيث احتكرت الشيوعية العمل النسائي من خلال ” الاتحاد النسائي”، فتم تكوين ” الجبهة النسوية الوطنية”، ثم الموقف الثالث حيث استوى الوعي الاجتماعي و الفقه الأصولي، فاندفع العمل النسوي الواعي.

هذا الوعي تجلى في الممارسة الشورية في الخطط و البرامج و الموازنات السياسية و الاقتصادية، ثم سياسة اللامركزية التي تخفف العبء عن المركز.

كان الاعتماد على المراجعة و المتابعة و فض الخلافات و الأزمات في إطار الشورى الملزمة، و القرارات الراشدة، فاسحة المجال للتعبير عن الرأي و استيعاب الفعاليات و الوحدة العاصمة و التناصح و نبذ الانشقاق.

إن التزام الشورى يكون دائما وراء الوحدة و التغلب على الخلافات المفرقة، و قد تجلى ذلك في جامعة الخرطوم في الستينات و أثناء انقلاب ماي 1969، أما المنشقون فغالبا ما يتساقطون.

كان الفكر الترابي مناهج تربوية لها نمط سلوكها و شعاراتها و أصبح روح المجتمع بكامله، و التحم الطلاب و المثقفون بالشعب و تلاشت الغربة بينهم، هذا التوجه الشعبي فارق بين تجربة الميثاق الأولى و تجربة الجبهة القومية بعد عشرين سنة، فكانت المرونة و الاستقلالية التي تراعي الاستراتيجية العامة، لم تنكر على الليبرالية بعض فضائلها من عقلانية و منهجية في طرائق التفكير مع معارضة مضامين التغريب.

إن التجربة السودانية حركة شمولية تخاطب المجتمع بكل فئاته وفق منهجية مخططة بعيدا عن الاندفاع، و قائمة على أساس الشورى، و منفتحة على القوى و الفعاليات المتواجدة داخل الساحة، مكتسبة حسا شعبيا ومعلية من شأن المرأة لتصبح نموذجا معتبرا.

تميز المجتمع السوداني بالعشائرية البدوية و القروية، و تشكل الثقافة الصوفية أهم مكون لمجتمع يحتمي من أي محاولة جديدة لا تقوم على الذكر الراتب، و مهما يؤخذ على واقع الصوفية فهي وسيلة لإشاعة الصلاة و عمران المساجد و الاهتمام بتلاوة القرآن و تدبره و حفظه، ثم الأذكار المسنونة في اليوم و الليلة و القيام الجماعي و صيام التطوع، كما تضمن هذا المجتمع التقليدي العلماء المتخرجين من المعهد النظامي.

و كان الكسب الثقافي في أول العهد ضعيفا فأخذت المنظمات المستقلة تعمل لإخراج فن منضبط و ملتزم في مغزاه و رسالته، و دعت إلى التعبئة الأدبية و المجاهدة في المسرح الأدبي و غيره من الفنون، و كسبت مكانا في بعض الاتحادات و المناشط الأدبية، كما أقيمت مؤسسات خاصة في العمل الإغاثي و الخيري.

و تعتبر منطقة الجنوب إقليما ذا ثقافة و عرق حصين، فقد ظل بعيدا عن الحياة الوطنية المركزية، و لم يتم الاهتمام به إلا في ما بعد حيث أتيح لعضوية غير المسلمين في إطار حل مشكل الجنوب.

الرؤيا المعرفية و المنهجية التجديدية:

كانت مقاربة الترابي رؤية معرفية و منهجية لعملية التجديد، يربط علم أصول الفقه القديم بواقعه الاجتماعي و السياسي، و يدعو إلى ثورة في المفاهيم كالتوحيد و العلم و الاجتهاد و الشورى، و الانفتاح على الثقافة الإنسانية و التراث البشري، و تعزيز معاني الحرية الفردية، و تركيز الوعي بالتكليف الديني بتكثيف مبادرات الفرد المسلم و كسبه الخاص الذي يشارك به في حركة الإسلام.

و الغريب في دعوة الترابي للاجتهاد أنه يخاطب به الفرد المكلف كيفما كان مستواه العلمي و قدراته الفكرية، و قد يعود ذلك إلى مخاطبته للجماهير و ليس للنخبة المفكرة.

إن تجديد أصول الفقه هو تجديد لعقل الأمة و بث الحيوية فيها، و ما طرحه حسن الترابي يصلح أن يكون أرضية لانطلاقة حقيقية لذلك.

لقد دعا إلى ثورة تجديدية تؤسس للمعرفة و المنهج و وضع مفاهيم ضابطة لمشروعه كالتوحيد و الشمولية في الأحكام و صورها، و الشمول في المصادر الوضعية، و الوحدة و التوازن بين النظام و الحرية، كما أعاد النظر في آليات الاستدلال كالقياس سواء الإجمالي الأوسع أو قياس المصالح المرسلة، و الاستصحاب الضيق و الواسع.

و يرى أن هذه النظرة المتجددة في أصول الفقه يمكن أن تكون منهجية علمية شاملة لكل علوم التدين و متكيفة لأغراض العلوم المختلفة.

إن النظرية التوحيدية التجديدية للترابي تتقاطع مع مقاربات أخرى لتجديد أصول الفقه في إطار فلسفي عام هو ” منهجية القرآن المعرفية ” الذي يؤسس للكليات و لعملية التجديد، و تلك مهمة المفكرين و الباحثين في هذا المجال.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline