إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

أوباما يعيد كتابة التاريخ بطريقته

خالد الصلعي

انه مصر على القطع مع سياسسات الولايات المتحدة الأمريكية بشكل نهائي ، ويزداد اصراره على وصل ما انقطع ، ومد الجسور بين ضفاف قريبة وبعيدة من أجل أهداف استراتيجية لم تكن لتخطر على بال أحد قبل ثلاث او أربع سنوات . اوباما يريد ان يعيد لمؤسسة الرئاسة الأمريكية زخم التأسيس الأول لهذه البلاد التي أصبحت بعد الحرب العالمية الصانية تهيمن على العالم وتقوده لوحدها في تجربة فريدة لم يعهدها التاريخ البشري من قبل .

حين تراجع عن ضرب سوريا بعد وضعه للخطوط الحمراء التي تجاوزتها ، كان اوباما يراجع أنئذ سياسات بلاده في معالجة الأزمات الدولية ، وهي السياسة التي عرف عنها رعونات وتجاوزات وانتهاكات انتقدها كبار مفكري الولايات المتحدة الأمريكية ، وليس فقط مفكرو أوروبا وبعض الدول العربية والافريقية . كان سيناريو المستقبل الأمريكي امامه ، الانفتاح على ايران ، ثم كوبا ، في اطار ما يسمى بالانفتاح الاحتوائي ، وهذه الاستراتيجية سيعوقها أي تدخل عسكري في سوريا ، لأنها ستعيد الى الأذهان التوجس من أي تقارب مع هذه الدولة التي لاتقبل المساواة والمعاملة بالمثل ، كما ستعيد تاريخا من الدم والغزوات والاحتلالات ، التي ادت في الأمس القريب الى خسارات ضخمة كانت السبب الرئيسي في تراجع الدور المحوري الدولي لهذه القوة العظمى .

خاصة وأنها أصابت جوهر القوة الأمريكية ، الاقتصاد . ولولا قدرة الولايات المتحدة الأمركية على طبع الأوراق النقدية خارج القوانين المعمول بها دوليا ، ولولا ضخ مآت الملايير العربية في سندات الخزانة المريكية ، لكان الافلاس الحقيقي قد اصاب هذه الدولة . ونحن ما زلنا نتذكر هجوم بوتين في سنة2012 اذا لم تخن الذاكرة للولايات المتحدة الأمركية في كونها عالة على العالم , وهو الهجوم الذي لن ينساه الكبرياء الأمريكي ، كما لن يتغافل عنه دهاء بوتين .

في اولى صور الرئيس الأمريكي بعد انتخابه رئيسا ، ظهر وهو يحمل في يده اليسرى كتابا بعنوان ” عالم ما بعد أمريكا ” للكاتب الأمريكي ذي الأصول الهندية . وهو كتاب لابد وان يلقى تجاوبا كبيرا لدى النخبة الأمريكية ، وخاصة معاهد التفكير “Think Thank” ، التي ترسم الاسترتيجيات والبدائل الطويلة المدى .وأي مشاركة للحرب المباشرة على سوريا كان سيؤدي الى انعكاسات خطيرة على الولايات المتحدة الأمريكية ، خاصة وأن تجربتها بالعراق والخسائر الكبرى لازالت ماثلة أمام صناع القرار الأمريكي .كنت ساعتئذ من الكتاب القلائل الذين اكدوا ان امريكا لن تباشر ضربة عسكرية على سوريا لاعتبارات عديدة ضد منطق الكتابة المهرولة. وقد كان الأمر كذلك .

الآن ، وبعد ما انفتح البيت الأبيض على ايران ، ها هو أوباما يزور كوبا الشيوعية كاول رئيس أمريكي بعد 88 سنة لآخر زيارة لرئيس أمركي لهذه البلاد وهو كالفن كوليدج سنة 1928. وهي الفرصة التاريخية التي صنعها مع الرئيس الكوبي راؤول كاسترو ، بحيث تمت اذابة جليد الحرب الباردة بين البلدين والتي دامت ما يقرب خمسين سنة .

ففرص التعاون بين البدلدين اكثر من فرص التنابذ والخلاف ، وان كانت اختلافات عديدة ستبقى عالقة بين البلدين . لكن أوباما أصر على العلاج بالصدمة .

صدم الليبراليين الاستعماريين والاستكباريين من صناع القرار الأمريكي ووضعهم امام الأمر الواقع ، خاصة وان الولايات المتحدة الأمريكية باتت محاصرة اقتصاديا وتكنولوجيا وديبلوماسيا ، ونفوذ روسيا والصين وايران ودول أخرى يتنامى من حولها بسبل اكثر نجاعة ، خاصة استراتيجية الصين الأكثر نعومة من حروب أمريكا الناعمة . كما ان منطق العصر هو منطق ديبلوماسي واقتصادي بالأساس ، والمنطقة الوحيدة التي ما تزال تحتكم لمنطق الحرب هي المنطقة العربية ، التي استطاع اوباما أن يعلن تبرمه واشمئزازه منها في عقيدته الأوبامية ، حيث كشف على غير عادة القادة الأمريكيين عن أمراض حكام هذه المنطقة واتهمهم اتهامات مباشرة بالاستبداد وخلق الصراعات والتنافر والاستعلاء على شعوبهم . وهو ما يعني أن رؤية الرئيس الأمريكي لا تكمن في الهيمنة المباشرة بقدر ما تكمن في الهيمنة غير المباشرة أو ما يسميه جوزيف ناي بالحرب الناعمة التي تتأسس على معطيات اقتصادية ودسيبلوماسية وتقنية واشهارية .

أوباما يصنع أمريكا جديدة ، وهذه الصناعة تتطلب آليات وأدوات جديدة ، تنبني أساسا على اكتساب أصدقاء جدد ، ومحاولة طي صفحة الماضي ، مادام ان لا شيئ يبقى على حاله ، وكما قال الحكماء العرب قديما ،دوام الحال من المحال .

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline