إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

في الحاجة إلى مفهوم جديد للإجماع الوطني

محمد أحداد

إننا نكرر نفس الأخطاء بنفس الأساليب القديمة، ولا نتورع في رمي كل المخالفين براجمات التخوين والعمالة، وشن هجوم عنيف مصحوب بغير قليل من التجريح في حق كل من قال إن تدبير الدولة لقضية الصحراء في العقود الماضية كان مرتبكا. هناك من أمسك قضية”الإجماع الوطني” من قرنيها وبدأ يطوف بها في كل الجهات دون أن يعرف ماهية هذا الإجماع ولا السياقات التي تحكمت فيه في السبيعينيات من القرن الماضي.

الإجماع الوطني حول مغربية الصحراء لا يعني أن تختار محامين سيئين، لا يفهمون في الخطابة، ولا يعرفون شيئا عن قضية الصحراء، وكل زادهم لا يتجاوز سب الجزائر، والانجرار وراء خطاب نازل، لن يفيد القضية الوطنية في سوى أنه يجلب الكثير من موجات السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي مثلما ما حدث على قناة فرانس 24، فعوض أن يفهم العالم ماهية قضية الصحراء بالدلائل والسرد التاريخي والبعد القانوني، تحول البرنامج إلى ما يشبه المسخرة، حيث كاد مقدم البرنامج أن يطلق ابتسامة عريضة في أكثر من مرة.

الإجماع الوطني لا يعني أن نمول جمعيات لا تتقن سوى لغة”البندير” و”التعارج” ولا نسمع عنها شيئا إلا في المناسبات الوطنية، وحينما تتابع ما يقولون تصابون بموجة من الحمى ممزوج برغبة في التقيؤ، إذ كيف يعقل أن تستفيد جمعيات من عشرات الملايين من الدعم دون أن تنفع القضية الوطني في شيء؟ وكيف نصدق أن رؤساء جمعيات معروفون حفظوا نفس الجمل المجرورة والمكرورة ويرددونها في كل مناسبة ولو تعلق الأمر بزلزال الحسيمة؟

الإجماع الوطني لا يعني إطلاقا أن نكتم صوت المخالفين ونقذف بهم إلى قارعة الطريق وكأنهم غرباء عن هاته البلاد: لندع اليساري واللبرالي والمتطرف يتحدثون بكل حرية ماداموا يؤمنون بأن الصحراء مغربية. هذا هو المبدأ أما باقي التفاصيل، قابلة للنقاش أو التداول السياسي، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. أن تجهز على صوت الاختلاف في قضية مصيرية تهم جميع المغاربة قد يفضي إلى نتائج عكسية. نحن في حاجة إلى شخصيات مثل بوعبيد الذي رفض مقترح الملك الراحل الحسن الثاني بالاستفتاء حول الصحراء. قالوا له يومها إنه لا يمكن أن نستفتي حول هوية صحراء محسوم فيها بقوة التاريخ والوثائق. سجن بوعبيد ومن معه، لكن التاريخ خلدهم، وخلد صوت الاختلاف.

الإجماع الوطني لا يعني أن تستدعي على عجل شخصيات سياسية إلى بلاطو القنوات التلفزية للحديث عن قضية حساسة بشكل فضفاض ومعوم، ثم يوزع وقت البرنامج بالتقسيط كي يقول الجميع إن قضية الصحراء قضية عادلة. هل يحتاج المغاربة من يقدم لهم دروسا في الوطنية أو في الدفاع عن الوحدة الترابية؟

الساسة المغاربة لا يتعظون. ألم يكن حريا بهم أن يصيخوا السمع جيدا لما قاله فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، للملك محمد السادس حينما كان يتحدث عن حجم التبادل المغربي الروسي. كان بوتين غير راض عن تراجع بلغ 34 بالمئة بالمقارنة مع السنة الماضية. حضرت لغة الاقتصاد والمال والمنافع الاقتصادية، وحتى الموقف الروسي من قضية الصحراء الذي ظل دائما مبهما بسبب متانة علاقاتها مع الجزائر، تغير كثيرا وقال وزير الخارجية الروسي إن تصريحات بان كيمون لا تتلاءم مع المسار الأممي.

قبل سنة من الآن كنت في أمريكا، ثم وجدتني أطرح سؤالا على مسؤول رفيع في الخارجية الأمريكية حول قضية الصحراء المغربية، فكان الجواب على هذا النحو:

أمريكا مشغولة بمئات القضايا حول العالم أهم بكثير من هاته القضية، وأنت تعرف بأن المغرب شريك حقيقي، لكن الشراكة في العالم الحديث تقاس بالمال والمصلحة لا بالتاريخ والعواطف..هذا هو الدرس الذي يجب أن نستوعبه جميعا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline