إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

“التورم” الخليجي..

مولاي التهامي بهطاط

تشبيه عجيب ذاك الذي ختم به صحافي عربي مغترب عموده في إحدى المجلات العربية التي كانت تصدر في لندن في سبعينيات القرن الماضي، عندما قال شيئا يشبه ما يلي.. “إن عرب لندن يقضون لياليهم في ملاهي وكازينوهات عاصمة الضباب ولا يغادرونها إلا مكنوسين مع أعقاب السجائر عندما يحين وقت الإغلاق”..

تلك هي الصورة التي رسمها عرب البترودولار عن أنفسهم وعن قبائلهم وعن أمتهم.. وهي صورة واقعية ومنطقية، بل ترجمة أمينة للمقولة المأثورة عن محدثي النعمة “إذا جاع سرق وإذا شبع فسق”..

على مدى نصف قرن تم تسخير عائدات النفط للاستثمار في الحجر بدل البشر، وتجنيد كل الإمكانيات لـ”علف” تسمين “العجول”، بدل توفير العلم والمعرفة لتنمية “العقول”..

تطاول في البنيان وتنافس على بناء ناطحات السحاب في بلدان ليست في حاجة للتمدد عموديا بفعل إمكانيات التمدد الأفقي الأفضل والأرخص.. لكن ماذا تقول لأمة شعارها “أكبر.. أعلى .. أسرع ..أوسع..” خاصة عندما يتعلق الأمر بالتباهي والاستعلاء؟

الرابح الوحيد من هذا السفه، هم تجار الوهم الذين نجحوا في بيع “الهواء المعلب” لقوم نزلت عليهم الثروة فجأة، ولم يعرفوا كيف يصرفونها..

في الغرب حين “يعاف” مليادير ثروة جمعها باجتهادهاوعرقه وسهر الليالي ولم يرثها عن “طويل عمر”، ولا آلت إليه بفعل ثقب في “بيت المال”، يتبرع بها للأعمال الخيرية، يبني مدارس هنا، وجامعات هناك ومستشفيات هنالك.. لأنه يعتبر المال مجرد وسيلة..

لكن العربي حين يكثر ماله “السهل” يستثمره في رصف الحجارة عموديا حتى يقال إنه الأعلى.. وعلى الخيول والجحوش والسيارات واليخوت حتى يقال إنه الأسرع .. وعلى شهوتي “البطن والفرج” بلا حساب.. شبق أبدي للحم النيء والمطبوخ ومن كل الكائنات الحية التي تدب على الأرض..

دول نزلت عليها موائد من السماء عجزت عن بناء الإنسان، وعن تكوين رجال ونساء قادرين وقادرات مؤهلين ومؤهلات لمزاحمة نوابغ دول أخرى أفقر لا تجري من تحتها أنهار النفط والغاز الطبيعي..

برامج الكرة -وما أكثرها في فضائيات الخليج- تختزل كثيرا من الكلام.. شباب محاصر بالفراغ لا يجد سوى الانتصارات الوهمية للاحتفال بها.. و”محللون” يقضون الساعات الطوال في نقض أقوال بعضهم بعضاً.. وفي الحديث عن خطط واستراتيجيات .. ونظريات .. وعن عمليات الكر والفر على البساط الأخضر.. وليس في مجال التنمية والتقنية واكتساب المعرفة..

عنتريات فارغة .. تجييش وتجييش مضاد بين قبائل الكرة.. الكرة “بسوس” هذا الزمن العربي الرديء..

من عجائب العرب أن القبيلة مرنة تتسع لكل جديد.. كان لها جيش وفرسان، فصارت لها أندية ونجوم كرة.. كان لها شعراء فأصبحت لها فضائيات.. توقف التاريخ فقط عند “الشيوخ” و”الجواري”.. وهل يجرؤ التاريخ على دخول مجلس المشيخة أو التلصص على خيمة الحريم؟

انشغل رواد “القبيلة الزرقاء” هذه الأيام بالنصر الذي حققه بعضهم بإسقاط برنامج “الملكة”..

الملكة هنا ليست صاحبة جلالة ولا صاحبة سمو ولا صاحبة معالي.. إنها باختصار مطربة حي من أحياء “العرب”.. لا هي في جمال هيفاء ولا في رشاقة نانسي وفي جمال سميرة توفيق.. لكنها مثال واضح لحالة “تورم الشخصية”.. فالثروة لم تأت بسبب “الصوت” أو “الصورة”.. وصرفها لم يتم وفق ما تقتضيه أساليب الإدارة العاقلة الرشيدة..

وهذه الأيام أيضا انشغل سكان قبيلة “تويتر” بهلوسات الشرطي الشهير.. الذي حل قضية فلسطين في دقيقتين.. طرد إخوته، وسلم مفاتيح الدار و”الحرملك” لابن العم.. مثال أوضح لحالة “التضخم المرضي” الناجم حتما عن البطنة التي تحجب الفطنة..

سخر الشيخ إمام قديما من “شعب الفول”.. ومات قبل أن “يرى” شعب “الفاست فود”..

وكتب “الحكيم” عن “الطعام لكل فم” ..ورحل قبل أن يرى أثر الوفرة ومفعول البيتزا والهامبورغر والكولا..

ووحده نزار وضع الأصبع حيث يجب..

فمن المحيط إلى الخليج قبائل

بطرت فلا فكر ولا آداب

في عصر زيت الكاز يطلب شاعر

ثوباً.. وترفل بالحرير قحاب

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline