إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

بلطجة الملاعب والشوارع والبذرة الخبيثة للإرهاب

عبد الله لعماري

صعق الشعب المغربي، بالكارثة الغير المسبوقة، فيما سميت بكارثة السبت الأسود، يوم 18 مارس 2016، حينما انقضت جموع بالمئات وافدة من أجل فرجة كروية، مدججة بالأسلحة البيضاء والسيوف والحجارة والشهب النارية، انقضت تلتهم بعضها بشراسة، طعنا وتحريقا وإرهابا وترويعا واعتداء، لم يسلم من شررها المتطاير، لا الأطفال القاصرون، ولا المارة من المواطنين والمواطنات، فيما يشبه الاستباحة الهمجية، التي لا عهد للوطن المغربي بها. سقط على إثرها ثلاثة قتلى ومئات الجرحى والمصابين.

لم يعرف الشعب المغربي قط ظاهرة مثيلة بالحجم الذي ظهرت به، ولم ينزلق الشغب الكروي إلى هذا المستوى من الترويع المنظم من قبل، ولازال الرأي العام البيضاوي، والوطني، مشدوها بصدمة المفاجأة الرهيبة، التي تذكره بصدمة شبيهة، ترجع به إلى واقعة الكارثة الإرهابية، التي حلت بالدار البيضاء يوم الجمعة الأسود 16 ماي 2003، رغم اختلاف النتائج والخلفيات.

وسواء أكان الأمر انفلاتا أمنيا عفويا، أو هيجانا مدبرا بيتته بليل بهيم، رؤوس فتنة ومكر، فإن التداعيات من الخطورة بمكان، فلا شيء أشرس على الأمن العام من العنف الجماعي، إذ أن موجة العنف الجماعي تجر إلى عنف جماعي مقابل، فتتمدد هذه الموجات المنفلتة إلى مد إرهابي عام، قد يستعصي على المحاصرة والاحتواء، في ظروف تعشش فيها جيوب الانحراف والجنوح في الأزقة المهمشة في البلاد.

والتسميات التي ينشرها أصحابها محاكاة لنماذج إرهابية نبتت في بعض الأقطار العربية، لمعاكسة الفصائل الكروية بعضها بعضا، كل ذلك من شأنه أن يوقع الوطن الآمن في مستنقع آسن من الاضطراب والانتقام وفقدان الثقة، والنيران المدمرة تبدأ من مستصغر الشرر.

وقد تميز النسيج الاجتماعي المغربي بحصانته من التفكك، عهودا بعد عهود، بالرغم من سوداوية المشهد السياسي في أحايين كثيرة، وبالرغم مما أورثته هذه السوداوية من هشاشة في الأوضاع الاقتصادية، وتفاقم الهوة بين خندق الانتهازيين والمستحوذين، وبين خندق المهمشين والحقراء.

وظل هذا النسيج الوطني متمنعا على التفتت والتسيب القبلي أو الفئوي أو الطائفي أو الديني، مما ابتليت به أقطار عربية وإسلامية أخرى، بالرغم من كونه يسدر أحيانا في خضم سجالات ومناكفات إيديولوجية، وسياسية.

لكن التآمر على هذه الهدأة التاريخية الاستثنائية باستيراد الظواهر المقيتة من بؤر التوتر والاحتراب والاقتتال، واستنبات الأعشاب الطفيلية السامة، في حقل التماسك الوطني، يتطلب صحوة عامة، لقطع الطريق، على من له مصلحة في الاقتيات من تساقط السلامة الوطنية، ومن له غاية في افتراس أوصال الوطن الواحد المتماسك، وشغل الناس بالترهات الهامشية.

ولأن التهييج العدائي بين فصائل الجماهير الكروية ، سيتفاقم الأمر معه إلى خلق الشنآن والشحناء والضغينة بين فصيل وفصيل، وألتراس وألتراس ٱخر، وسنعود إلى حرب البسوس بين الفصائل والألتراسات، ونعود إلى ثارات بني عبس وإلى ما عرف في غابر الزمان في التاريخ العربي الإسلامي من إحن ودماء ومكائد بين طائفة الزيدية وطائفة القيسية.

ولأن الأمر جلل ولا يستدعي التهوين ولا التقاعس، فإن قطع دابر كل الأفكار والمخططات الرامية إلى دس هاته الجراثيم القاتلة في الجسد المغربي، يبقى في حكم الواجب الحاسم والحازم. فحرب الفصائل الكروية، والعصابات التي قد تنمو تحت ظلال نيرانها ولهيب شراراتها، ليست هي من قبيل ما اعتاد عليه المشهد السياسي أو الحزبي أو الإيديولوجي أو اللغوي أو القبلي حتى، وسيصبح ذلك الصراع المألوف بين ما هو علماني وإسلامي أو بين ما هو عروبي وأمازيغي أو بين ما هو يميني ويساري، سيصبح لعب أطفال أمام تناسل العدوان والعنف والانتقام بين جحافل هذا ¨الألتراس¨ ، و¨الألتراس¨ الآخر، وهلم جرا من الأسماء والمسميات والألقاب التي قد تتطور مع الزمان لتفرض الأمر الواقع، تحت صليل السيوف، واقع الجريمة المنظمة، وحكم الدهماء بالعصيان والتمرد، وستصبح الأندية الكروية والمنافسات والملاعب الرياضية غطاء شرعيا تتناسل تحت أسقفه كل أصناف الهمجيات.

وإن البلطجة الكروية مجال حيوي لتخصيب مشاعر وأفكار الكراهية والعدوان والانتقام، وإذا لم تنهض الدولة، وينهض معها المجتمع، لتطهير العالم الكروي، من النزعات البلطجية، فإننا لن نفاجأ غدا، بتحول البلطجة الكروية إلى حاضنة تعشش وتسرح فيها جراثيم الإرهاب.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline