إنصاف بريس جريدة إلكترونية مغربية

الإيديولوجية العرقية والإعاقة الوجدانية للشباب الأمازيغ

عبدالسلام بنعيسي

يردد بعض النشطاء الأمازيغ في الوقفات الاحتجاجية التي ينظمونها أمام البرلمان، وفي عدة ساحات بالمدن المغربية، شعارات لا معنى لها، ولا تعكس واقعا معاشا، ولا تجسد رغبة حقيقية مستمدة من معاناة فعلية.

من بين الشعارات المنعدمة المعنى ترديد هؤلاء النشطاء لمقولة: قتلوهم عدموهم/ إمازيغن يخلفوهم. يبدو أولئك المحتجون في تلكم الوقفات، في غاية الحماس والانفعال، وهم يرددون من أعماقهم هذه المقولة، على أساس أنها تتضمن رسالة يريدون إبلاغها إلى السلطات المعنية لتأخذها بعين الاعتبار، وتضع ردود أفعال أصحابها في الحسبان.

هذا الشعار يقسم المغاربة إلى فئتين: ففي جهة هناك الأمازيغ الذين هم في وضعية الضحية، وفي الجهة الأخرى هناك الأغيار عنهم الذين هو في وضعية الجلاد. هكذا بالجملة ومن غير تمييز.

يوحي الشعار وكأن الأمازيغ في المغرب أقلية تعيش مضطهدة في غيتوهات خاصة بها، وأنها محرومة من جميع حقوقها، وتعاني معاناة مريرة من القمع، والبطش، والاضطهاد، على أيدي الأقلية غير الأمازيغية الحاكمة بالحديد والنار والقهر.

وقد يوحي الشعار عكس ذلك، أي أن الأمازيغ هم الأغلبية المطلقة من مواطني المغرب، والباقي يشكلون أقلية محدودة من المغاربة، وهذه الأقلية تنعم بالسلطة، وبالحقوق، والخيرات، والامتيازات، وأنها ترفل في النعيم، في حين أن الأمازيغ الذين يشكلون أغلبية المغاربة، يواجهون التهميش، وأنهم محرومون، بحكم القوانين السائدة في البلد، من حقوقهم، وأنهم يعيشون أغلبية مضطهدة من طرف أقلية تحكم بنظام شبيه بنظام الأبارتهايد الذي كان سائدا في جنوب إفريقيا أيام الفصل العنصري.

رفع شعار ” قتلوهم عدموهم/ إمازيغن يخلفوهم” يعني أن الأمازيغ يُقتلون يوميا بالعشرات، رميا بالرصاص، أو طعنا بالسكاكين والسيوف، يُقتلون في الشوارع، والأزقة، وفي الجبال، والقرى، والبوادي، وفي داخل منازلهم، وأماكن عملهم.. وأن قتلهم من طرف كل من تعِنُّ له نفسه القيام بذلك، يتم لأتفه الأسباب، ولا تترتب عن هذا القتل أي مساءلة أو متابعة للجهة القاتلة، وأن دماء الأمازيغ تُهدر ظلما وعدوانا، حتى أنها أضحت أنهارا تجري في الطرقات، وفاضت بها الساحات، وأنها تتدفق صوب البحار لتصبغها باللون الأحمر القاني، ولذلك يخرج النشطاء الأمازيغ للاحتجاج على هذا الظلم، وللمطالبة بوقفه الفوري، من خلال ترديد الشعار إياه..

وهذا ادعاء مجاف كليا للحقيقة كما هي معاشة في الواقع المغربي. لا نعرف اسم ناشط أمازيغي واحد تعرض للقتل والاغتيال من طرف أجهزة الدولة المغربية بسبب نشاطه الأمازيغي حصرا. فحتى في السنوات التي درج المغاربة على تسميتها بسنوات الرصاص لم يحدث ذلك، وليس لدينا علم باسم ناشط أمازيغي تعرض للاعتقال، والسجن، والتعذيب، بالنظر لكونه أمازيغيا، ولأنه يدافع أساسا عن الثقافة الأمازيغية.

الطالبان الأمازيغيان مصطفى أوسايا وحميد أعضوش جرى اعتقالهما في قضية مواجهات بين الفصيل القاعدي وفصيل الحركة الأمازيغية بالجامعة، مواجهات انتهت بمقتل الطالب القاعدي. لم يعتقل الطالبان مصطفى وحميد بسبب تحركهما من أجل الحقوق الهوياتية واللغوية والثقافية الأمازيغية، كما يتم الترويج لذلك، الاعتقال جرى بسبب قتلهما لطالب آخر، في مشاجرة حدثت داخل الجامعة.

كما أن عمر خالق الناشط الأمازيغي الذي يقولون عنه إنه تعرض للاغتيال السياسي في خضم السنة المنصرمة، توفي هو الآخر في معركة نشبت بين التيار الأمازيغي ونظيره الصحراوي في الجامعة المغربية، لقد حدث شجار بين الطرفين ذهب نتيجة له الضحية عمر خالق، فمن هو إذن هذا الإنسان الأمازيغي الذي تعرض للقتل والتصفية بسبب رأيه أو عرقه، لكي يرفع النشطاء الأمازيغ في وجه المغاربة في تجمعاتهم المتعددة شعارهم المشار إليه سابقا؟؟؟

لا يعني هذا أن الأمازيغ عاشوا بعيدا عن السياسة، وأنهم لم يكونوا منخرطين في النضالات التي خاضها الشعب المغربي على امتداد تاريخه الطويل، لقد سقط منهم الشهداء، وقدموا قوافل من المعتقلين والمنفيين السياسيين، ولكن حدث ذلك في إطار نقابات وأحزاب وطنية، وبشعارات وحدوية تصدت للاستعمار، ثم للاستغلال والتفاوت الطبقي، وتزوير إرادة الشعب لاحتكار السلطة والثروة.

لقد ناضل الأمازيغ إلى جانب إخوانهم العرب المغاربة، بعيدا عن التمييز على أساس عرقي أو مناطقي، وحققوا معا المكاسب التي يحظون بها، ويناضلون معا من أجل تحقيق المزيد من المكاسب في إطار الوحدة الوطنية العربية الأمازيغية الراسخة.

قد تكون بعض المناطق الأمازيغية تعاني من التهميش والإهمال من طرف الدولة، ولكن الأمر المؤكد هو أن مناطق عربية تعاني من نفس الأمر، وعلى ذات القدر أيضا. والأساسي هو أنه يوجد في أعلى هرم السلطة المغربية العديد من الأمازيغ، إنهم في قيادة الجيش، وأجهزة المخابرات، وفي المحيط الملكي، ومنهم الوزراء، والبرلمانيون، والمدراء العامون، وكتاب الدولة، والولاة والعمال، ومنهم أثرى أثرياء المغرب، كما يوجد من بين الأمازيغ الفقراء، والمعدمون، والمهمشون، والعاطلون، عن العمل، والذين يعانون من الحرمان بكل أشكاله. وما ينطبق على الأمازيغ يسري بالنقطة والفاصلة على العرب المغاربة.

الذي يحرض بعض الشباب الأمازيغ على رفع شعار ” قتلوهم عدموهم/ إيمازيغن يخلفوهم، يروج في الواقع لإيديولوجية عرقية تُزيِّف وعي الشباب وتُحرِّفه، وتؤدي هذه الإيديولوجية إلى خلق حالة إعاقة وجدانية في قلوب الأمازيغ، لأنها تقدم لهم المغاربة غير الأمازيغ في صورة المعتدين والظالمين والوحوش، وتدفعهم للحقد عليهم ولكراهيتهم.

وبدل أن يكون الصراع عموديا بين الاستغلالي والواقع عليه الاستغلال، وبين المالك للثروة بغير حق والمحروم منها بشكل شبه مطلق، بدل ذلك، يصبح الصراع دائرا في حلبة المقهورين والضحايا والمقموعين بين بعضهم البعض، ويظل الحال على ما هو عليه، بعيدا عن أي إصلاح أو تغيير. أصعب وأتعس موقف يوجد فيه المرء هو عندما يكون في الخيار الخاطئ، ولكنه يعتقد جازما مع نفسه، أنه في الخيار الصائب، ويستقتل ويستميت من أجل أن يظل قابعا في هذا الخيار، ويردد ذات الشعار الخالي من أي مغزى أو مضمون.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...
Inline
Inline