موقع إخباري مغربي

اعتقال الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان

أحمد الدغرني

يظن الذين اعتقلوا مليكة مزان بأنها امرأة سهلة، حائط قصير؛ إذ ليس لديها حزب ولا نقابة للفنانين، ولا جمعية للشعراء، وليس لديها شعب يحمي المرأة والرجل من الاعتقال الخاطئ، ولا من الظلم، ولذلك يحتاج موضوع اعتقال هذه المرأة الشاعرة إلى انتباه الناس، وإيجاد منهجية دراسية لهذا النوع من الاعتقال، بتجرد وموضوعية، لأنها شاعرة، وناشطة أمازيغية، ورمز من رموز التحرر، وكسر التبوهات (Tabous) الجنسية والسياسية والدينية….

ونبدأ من تصنيف الاعتقال بأنه أولا يدخل في مجال خرق حرية التعبير، وحرية النشر، ويصنف سياسيا واجتماعيا في مادة “الحكرة” (Lhugra) المتعلقة باحتقار المرأة في المغرب، فَلَو كانت مليكة من الذكور، مثلا، لها لحية طويلة ومصبوغة، أو محلوقة، وحتى خنثى لا يعرف هل هي ذكر أو أنثى، لأمكن لها أن تهدد من تشاء بواسطة الفيديو، أو قنوات التلفزة، أو الصحافة، والخطب الرنانة، مثل التي يلقيها الذين يهددون الناس باسم الدين، أو باسم القومية العربية، أو باسم محاربة اليهود والمسيحيين، واللائكيين والكفار، وحتى باسم محاربة الشيعة، والإباضيين، أو البهائيين، وكل من يخالفهم في الدين والرأي أو ليس من جنسهم…. ولن ينالها اعتقال ولا متابعة، ويمكن إحصاء هؤلاء الذكور في مظهرهم، ونسخ خطبهم وتهديداتهم من وسائل الإعلام، لنجد آلاف الناس تعرضوا للتهديد والسب والقذف، وإهدار الدماء، من طرف هؤلاء الذكور، ولم تتابعهم النيابة العامة…

هذا النوع من “الحكرة” المؤدية إلى اعتقال المرأة عرفته سنة 2017 بالمغرب في اعتقال سيليا الزياني، من ناشطات حراك الريف، وهي فنانة موسيقية ومغنية بالأمازيغية، وقد ندم الذين اعتقلوها، وبالدارجة “عدفو جرا” وأدركوا خطأهم في الاعتقال، وأطلقوا سراحها، ومنحوها جواز السفر، وعرفته أيضا نوال بنعيسى من حراك الريف، وهي من النساء الحاصلات على الشهادات الجامعية، وربة بيت وأم من فئة الأطر المعطلين، ووضعوها تحت المتابعة، والسراح المؤقت… ولو كانت مليكة مزان شاعرا من ذكور العرب، مثل نزار قباني، لأمكن لها أن تقول شعرا فاحشا، مثل قول هذا الشاعر:

هل عرب أنتم؟ أولاد قحب…أنتم

ولا يعتقل قباني وأمثاله من الماجنين العرب، بل يفرض شعره في سب وقذف العرب في المدارس، ويحفظه الطغاة من الحكام لأنه عربي، ولأنه سفير لحزب البعث السوري في فترة من حياته… فهذا الاعتقال منهجيا يجب تصنيفه مع أشعار الآخرين، وإخضاعه للنقد الأدبي وليس للنقد البوليسي.

ولو كانت هي نوال السعداوي التي تمتعت هذا العام بما تشاء في المغرب، لقالت ما تريد، ولا تتابعها النيابة العامة، لأنها تنتمي إلى العروبة… وهي حرة ونريد لها مزيدا من الخير والسعادة، لنخرج من العنصرية التي نرفضها.

ثم نضيف ثانيا بأن موضوع هذه السيدة يدخل في صنف اعتقال شاعرة نشرت تسعة دواوين شعرية، ولذلك يخضع موضوعها فيما تنشره لمادة الشعر، التي يلقنها المدرسون في المغرب بأنها تتميز بالخيال، وتخضع للنقد والمتعة الأدبية، ولا تخضع للقانون الجنائي، ولا لمنطق القانون الذي هو محدد وجاف ولا يقبل أي خيال… فأين شعراء المغرب وكتابه المزعومون من تناول هذه الحالة؟

فلو عرضت قصائد الشعراء كلها على القضاة لتم اعتقالهم جميعا، لأنهم بالتعبير الديني حسب القرآن “يتبعهم الغاوون…”، ولأنهم يمدحون الخمر، ويمارسون مادة ضخمة في الشعر وهي “الهجاء” الذي يقرأه التلاميذ في المدارس على أساس أنه من فنون الشعر، وهو في القوانين الموضوعية يعتبر من جرائم السب والقذف… وبهذا سيكون مشروعا حذف شعر الفرزدق، وجرير، والحطيئة، من مقررات الدراسة بالمغرب لأنها من السب والقذف والتهديد… وشعر أبي نواس لأنه من اللواط…

ثالثا: لو افترضنا أن اعتقال الشاعرة مليكة مزان هو بداية نحو اعتقال الشاعرات والشعراء المغاربة، بشبهات العنصرية، أو التهديد، فهو تحول نحو مستقبل مظلم، لم يكن مألوفا في المغرب المخزني حتى في سنوات أسوأ من الآن، فمن بين حوالي مائة شاعر في المغرب الحديث ممن يكتبون بالعربية وغيرها، لم يعتقل أحد بسبب كلامه النثري أو الشعري حسب علمي، إلا في حالة الشاعر عبد الله زريقة الذي قضى سنة سجنا بسبب كلامه أمام محاكم الدار البيضاء، وحالة المغني الأمازيغي الرايس الدمسيري بسبب أغنية سياسية.

فسيكون سجن مليكة مزان بدعة تخرج عن كون محكمة الرباط لا تسجن الأدباء والفنانين والشعراء بسبب أقوالهم وإبداعاتهم، ويجب التساؤل من أين نزلت هذه المتابعة الغريبة؟ والحال أن أحدا من العرب ولا من غيرهم لم يتقدم بشكاية إلى القضاء ضد مليكة مزان، لأن الشعب بمختلف طبقاته يعرف هذه الشاعرة، ويتمتع بشعرها، وغرابة إبداعاتها، منذ سنوات كثيرة، ويتسامح معها تقديرا للفن، والشعر، وتحركت المتابعة ضدها تلقائيا…. رغم أن النيابة العامة لم تتابع الذين نشروا الفتاوى والتهديدات والسب والقذف الشنيع التي نشرها من يسمون أنفسهم بالشيوخ والأئمة بعد اعتقالها وسموها بالمجرمة، وغير ذلك من أسوأ الأوصاف قبل صدور حكم المحكمة ضدها…

رابعا: لو افترضنا أن الفيديو الذي وضعته مليكة مزان على صفحتها في “فيسبوك” يخضع لقواعد القانون، فإنه يرتكز على كونه أُذيع في صفحتها الخاصة، ولا يعتبر عموميا، والمسؤولية عن نشره في مواقع أخرى ترجع إلى الذين نقلوه ونشروه بدون إذنها، ولم تتابعهم النيابة العامة. وما هو معروف بفرنسا مثلا أن محكمة النقض اعتبرت في حكم مشهور أن النشر في الصفحة الخاصة في “فيسبوك” لا يعتبر عموميا، ولا يعتبر جريمة، ويدخل في نطاق حرية الفكر والتعبير (Arrêt numéro 344 du 10 Avril 2013).

خامسا: إن الفيديو الذي نشرته يتعلق بالأكراد، وبعلاقتهم مع دولة العراق، ولا يتعلق بالمغرب، وتحدثت عن أمازيغ شمال أفريقيا الذين يتوزعون على دول كثيرة، ولم تصدر ضدها أي متابعة أو شكاية من دول شمال أفريقيا ولا من العراق، مما يشكك في المتابعة وحساباتها القانونية والسياسية بالمغرب الذي يوجد فيه أفراد حاقدون أو عنصريون صفقوا ورقصوا وفرحوا لاعتقال مليكة مزان لأسباب شخصية تخصهم… أو لأنهم يكنون عداوة وبغضا للأكراد، وخاصة بعدما ظهر موقف الحكومة المخزنية الحالية الرافض للاستفتاء الذي يجريه هؤلاء في بلادهم، وإقحام المغرب من جديد من طرف الحكام في مشاكل الشرق الأوسط الذي تجري فيه حروب ونزاعات دموية لا تنتهي، مما يعطي لاعتقال مليكة مزان طابعا سياسيا وليس قانونيا، لكونها دافعت صراحة عن استقلال كردستان، وهو رأيها، ويخالف رأي الحكومة.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...