موقع إخباري مغربي

بين الزلزال السياسي والإعمار التقنوقراطي

عصام واعيس

صار الإنذار الطبيعي الذي لوّح به ملك البلاد في خطابه، الجمعة الماضية، أمام نوّاب الأمة، حين تحدث عن “زلزال سياسي” قد يقتضيه الحال (وقد لا يقتضيه)، محل تساؤلات وتأويلات تسعى إلى استباق زمان ومكان وقوع هذه الهزة السياسية، ومعرفة قوتها، ودرجتها على سلم الكوارث الطبيعية، وحجم الخسائر الممكنة، وهل ستليها موجات ارتدادية أم لا، ومن سيستفيد من كعكة إعادة الإعمار، وبأي ثمن ونتيجة.

أتفهّم طبعا انشغال “هيآت المسح ورصد الزلازل الحزبية” بهذا الحدث السياسي الذي قد يكون وشيكا، وربما ضروريا لإنقاذ النموذج التنموي الوطني من مزيد من الدمار. بين من يتحدث عن سيناريو حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها، ومن يتحدث عن مزيد من تطعيم الحكومة بـ”كفاءات” تقنوقراطية (وهو الاحتمال الذي يناقشه هذا العمود)، ومن يتنبأ بدخول الاستقلال إلى التحالف الحكومي، ومن يذهب حد التفكير في إعلان حالة الاستثناء.. ومن تأويل إلى آخر، وبحاسة الشم السياسية، يحاول كل طرف الابتعاد من البؤرة المحتملة لتفجر الهزة الأرضية والاقتراب من المناطق الآمنة، والشركات السياسية، الذاتية والمعنوية، المحتمل أن ترسو عليها صفقة إعادة الإعمار.

في نظري، قراءة المناخ العام الذي جاء فيه الخطاب الملكي يجعل الخيار التقنوقراطي يطفو على السطح من جديد. وربما بحدة أكبر. ولكثرة التعب من رؤية عجلة البلاد تدور في مكانها، أو ربما تعبيرا عن مشاعر الخيبة التي تحاصر الجيل الذي أنتمي إليه، لا أبالي بالانعكاسات المحتملة للإجراء السياسي الوشيك، كيفما كان، على مظاهر الديمقراطية في البلاد أو أماني الأحزاب، بقدر ما أهتم بفرص نجاح هذا الخيار البديل المحتمل. ما مدى قدرة التقنوقراطي على النجاح في ما فشل فيه السياسي؟ ما مدى صحة الأسس المنطقية التي ترتكز عليها المقابلة التي تجري اليوم بين السياسي القح (إن جاز التعبير)، “الفاشل والانتهازي”، والموظف السياسي التقني، “الناجح والنزيه”؟

فإذا اتفقنا على أن السياسي في المغرب، على العموم، جعل من السياسة أداة للاسترزاق ومطية لتحقيق مآرب ضيقة، ومغنما ماليا، ومدخلا إلى منابع الريع، فهل يعني هذا أن الذي يقابله في الضفة الأخرى، ضفة العفاف والاستقامة، هو التقنوقراطي؟؟ هل كل من لم يترعرع في ظل حزب سياسي ولم يأت للوزارة من رحم أمانة عامة أو مكتب سياسي إنسان مستقيم وكفء ونزيه؟ هل عمليات النهب الاقتصادي سببها “عدم كفاءة” السياسي وقلة خبرته؟ ومن ثم تكون “كفاءة” التقنوقراطي وخبرته هي الدرع الواقي من الفساد والنهب وتخريب البلاد؟؟ لا. غير صحيح. هذه المقابلة تقوم على أسس منطقية مختلة. أكيد أن هناك قسطا من المشاكل يعود إلى ضعف كفاءة الفاعل السياسي، لكن القسط الغالب يعود أساسا إلى الابتزاز والفساد مع وجود القدرة والكفاءة لدى الفاعل المعني، سياسيا أم تقنوقراطيا، على تيسير الأمور باتجاه مسالكها السليمة. فكفاءة الفرد لا تعني خلوه من نوازع الإثراء غير المشروع، واستغلال النفوذ والتسلط.

هل يعني كلامي هذا أني أنتصر للسياسي على التقنوقراطي؟ لا. أرى أن النظر في أزمة البلاد برمتها يجب أن يركز على مدخل آخر: المحاسبة.

أدعو إلى ربط أزمة البلاد بالحاجة إلى تفعيل المحاسبة وترتيب آثارها. أدعو إلى فتح تحقيقات في قضايا فساد المسؤولين التي تطفو كل مرة في عناوين الصحف، في احتمال تضارب المصالح لدى مسؤولين حكوميين، في توزيع أراض بثمن بخس على وجوه بعينها، في مزاعم تعذيب معتقلي حراك الريف، وترتيب العقوبات بشكل صارم وعدم جرجرة الملفات إلى ذاكرة النسيان. أدعو إلى نشر معايير الاستفادة من رخص الصيد في أعالي البحار ومقالع الرمال والرخام واستغلال المناجم وتعبئة المياه من الأعين الطبيعية، وترتيب العقوبات على حالات الريع التي تنخر النموذج التنموي في الصميم.. وكما هو واضح من الأمثلة التي سقتها هنا، قد يكون أصحابها ساسة أوتقنوقراطا أو أمنيين أو مسؤولين من أي نوع.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...