موقع إخباري مغربي

ردا على زميلاي “محاميي الدولة” ضد معتقلي الحراك الشعبي

اسحاق شارية

بمجرد علمي بتنصب الزميلين المحترمين، الأستاذين طبيح والراشدي كمحاميين في مواجهة موكلي معتقلي الحراك الشعبي، لم أكن أود الخوض معهما في جدال إعلامي، لعلمي أن مكان الجدال بين المحامين هو ردهات المحاكم وقاعة المحاكمة، ولعلمي بحقهما المطلق في التنصب للدفاع عن موكليهما، لكني آثرت أن أوجه لهما هذا المقال بعدما قرأته وعاينته من تصريحاتهما الصحافية التي حاولا من خلالها تبرير أسباب تدخلهما في الدعوى العمومية القائمة أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، للدفاع عما أسمياه ضحايا حراك الريف وما سببه من أضرار للمطالبين بالحق المدني.

كانت صدمتي قوية وأنا أستمع إلى تصريحاتهما للمنابر الإعلامية الوطنية والدولية بأنهما مكلفان بالدفاع عن الدولة المغربية ضد المعتقلين. ولم أكن لأعير هذه التصريحات اهتماما لو كانا تمثلا للدفاع عن حكومة المملكة المغربية أو الضحايا أو قوات الأمن، فكلها مؤسسات مستقلة تمتلك كامل الصلاحية في تعيين محام. غير أن استخدام مصطلح “الدولة” جعل من واجبي القانوني والمهني والأخلاقي والوطني الرد بصرامة، باعتباري أشاركهما الانتماء إلى هذه الدولة؛ إذ إنه احتكار غير مبرر الكلام باسم الدولة، التي تنتمي إليها كافة الأطراف المتخاصمة في هذا الملف؛ قوات أمن ورأي عام ومعتقلون ومحامون وقضاء وأحزاب سياسية ومسؤولون حكوميون.

فمفهوم الدولة كما عرفه فقهاء القانون هو تجمع سياسي يؤسس كيانا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة؛ وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم، بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة بما يكسبها الشخصية القانونية الدولية؛ وبالتالي فإني وموكلي المعتقلين نشارك الزميلين المحترمين، محاميي الدولة، الانتماء إلى الدولة المغربية نفسها من منطلق المكون الشعبي، ومكون الإقليم، رغم اختلافنا مع الحكومة. ومن هذا المنطلق تبدو دلالات استخدام مصطلح “الدولة” قمة في الخطورة والتجريح، لأنها تنزع عنا الانتماء إلى الوطن وتجعلنا في حكم الغرباء والأجانب، كما تحرمنا من حرية الدفاع عن هذه الدولة من منظورنا الحقوقي، وهو ما يشكل مقدمة لإسقاط الجنسية المغربية عنا، وتوطئة لشرعنة اتهامنا بالخيانة العظمى؛ وهي كلها مبررات تمنح الحق للمؤسسات الوطنية في تجريدنا من حقوقنا الدستورية كمواطنين مغاربة، بل وتبرر أي عقاب مؤسساتي أو شعبي في حقنا، سواء كمعتقلين أو دفاع. هذا بالإضافة إلى أنه استعداء غير مفهوم للمعتقلين المنتمين عرقيا إلى منطقة الريف التي طالما عانت التهميش والقهر والحرمان من طرف مؤسسات تدعي انتماءها إلى الدولة ومؤسساتها الدستورية. وكأن الأمر صراع حول السيادة على إقليم من أقاليم الدولة؛ علما أن احتجاجات الساكنة والمعتقلين لم تخرج عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي صرحت حكومتكما بمشروعيتها، فما دخل دولتنا ذات السيادة غير المتنازع عليها في هذا الصراع الاجتماعي بين الشباب الطموح إلى دولة أكثر عدلا وحرية وكرامة والفساد السياسي والاقتصادي الذي تمثله مؤسسات هذه الدولة السياسية والحكومية؟ ألا يعتبر الأمر إمعانا في إذلال منطقة ذات خصوصية ودفعا بأهلها ومعتقليها إلى مزيد من التطرف والحقد ضد الدولة التي آثرت أن تقف في وجههم كخصم، بدل أن تكون الحكم الأسمى والحضن الأكبر الذي يلم شمل كافة الأطراف المتخاصمة.

ويزداد زميلاي المحترمين، محاميا الدولة، نقاش دفاعكما عن الدولة المغربية تعقيدا عند اطلاعنا على دستور دولتكما؛ ذلك أن الفصل 42 منه صريح بالنص على أن “الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها…”؛ فهل تنازل لكما جلالة الملك عن اختصاصاته في تمثيل الدولة والدفاع عن وحدتها، خصوصا إذا علمنا الوكيل العام لجلالة الملك والمفوض الملكي من يملكان الاختصاص الحصري لتمثيل الدولة والدفاع عن مصالحها في الدعاوى التي تكون إحدى أطرافها؟. وإذا كان الأمر كذلك فمن الواجب إطلاع الرأي العام على هذا التنازل الخطير عن اختصاصات جوهرية من اختصاصات المؤسسة الملكية، وإلا فإنه يعتبر تطاولا غير مشروع على اختصاصات حصرية للملك ووكلائه في النيابة العامة. كما أن في الأمر إقحاما للمؤسسة الملكية في صراع لم تكن أبدا طرفا فيه، وهو ما يبطل أطوار هذه المحاكمة على اعتبار أن الدولة التي يمثلها جلالة الملك قد تنازلت عن تمثيلها الأسمى للأمة المغربية، وكلفت محاميا للدفاع عنها في محاكمة قضائية ستنطق أحكامها باسم جلالة الملك، وهو ما يعد إخلالا بمبادئ العدالة ومساواة الأطراف أمام القضاء، بل ويهدم مفهوم استقلالية هذا الجهاز.

زميلاي المحترمان:

ليس من حقي بتاتا أن أنتقد دفاعكما عمن يزعمون أنهم ضحايا؛ كما ليس من حقي كمؤمن بحرية الدفاع والحق في المحاكمة العادلة أن أتطاول على حرمانكما من الدفاع بكافة الوسائل عمن أرادوا أن يتنصبوا كمطالبين بالحق المدني في مواجهة المعتقلين، وليس من حقي كذلك أن أحاكم انتماءكما السياسي لحزب كان يدعي بالأمس القريب وقوفه إلى جانب القوات الشعبية، وعانى مناضلوه ويلات الاعتقال السياسي؛ فتلك محاكمة يتولاها التاريخ والشعب بعيدا عن المحاكم ونصوص القانون، لكني أملك كامل الحق في الدفاع عن دولتي ضد دولتكما، فدولتي التي أناضل من أجلها هي دولة الحق والقانون، هي دولة العدالة الاجتماعية، هي دولة حرية التعبير، وكرامة المواطن، والديمقراطية وحقوق الإنسان، وانعدام الفقر والقهر والتهميش والمحسوبية والزبونية؛ هي دولة المجاهدين محمد الخامس وعبد الكريم الخطابي وموحا أوحمو الزياني وعلال الفاسي وعلال بن عبد الله محمد بلحسنا لوزاني والدكتور الخطيب، وغيرهم من المجاهدين الشرفاء الذين أفنوا حياتهم ودماءهم الزكية من أجل دولة مغربية يتشرف الجميع بالانتماء إليها. وفي المقابل يبدو أن دولتكما التي تدافعان عنها دون توكيل هي دولة القمع والظلم والفقر والتهميش والفساد والاحتكار الاقتصادي والسياسي، ودولة التحكم والترهيب والتخويف، وهذه غير ملزم بالانتماء إليها.

فهنيئا لكما بدولتكما، وطوبى لنا ولمعتقلينا الأبرياء بدولتنا.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...