موقع إخباري مغربي

“ما العمل؟”

جمال بدومة

شهورا قليلة قبل أن ينتقل إلى “الرفيق الأعلى”، كان ستالين قد تعرف على “رفيق أسفل” اسمه “الوسواس”. لم يكن قائد ثورة أكتوبر 1917 يثق بأحد، وكلما تقدم في العمر توغل في “البارانويا”، لدرجة أن حياة الرفاق المكلفين بخدمته كانت رهينة بمزاجه، أحيانا يدفعه الشك إلى تصفيتهم واحدا واحدا دون أن يرف له جفن. ولعل ذروة “البارانويا” تجسدت في 13 يناير 1953، عندما أعدم الديكتاتور تسعة من أطبائه الشخصيين بعد أن اتهمهم بـ”محاولة تسميمه”، في إطار ما عرف بـ”مؤامرة أصحاب الوزرات البيضاء”، التي واكبتها حملة تطهير واسعة، شملت كل من يشكلون مصدر ازعاج لوريث لينين.

في 28 فبراير 1953، دعا ستالين رئيس أمنه الشخصي وعضوين من المكتب السياسي للحزب الشيوعي إلى الغذاء. كان الخوف ضيف المائدة الرئيسي. في الثالثة بعد الظهر أمر الزعيم ضيوفه بالانصراف وصعد ليستريح في غرفته. أو على الأصح، ذهب ليرتاح في إحدى غرفه السبعة المتشابهة، التي لا يسمح لأحد بالاقتراب منها، لأسباب أمنية، ولا أحد يعرف في أي واحدة منها ينام كل ليلة.

في اليوم الموالي لم يظهر له أثر. السادسة والنصف مساء ولا أخبار عن الزعيم، الذي كان يفترض أن يكون منذ الصباح في مكتبه لتتبع سير انتخاب مجالس السوفيات المحلية. استبد القلق بالحرس والعمال المكلفين بخدمته، لكن لم يكن أحد منهم يتجرأ على دخول غرفته المحصنة.

في الحادية عشرة والنصف ليلا وصل بريد الكريملين إلى مكتب ستالين. أخيراً سبب وجيه للدخول. فتح الرفيق المكلف بالبريد عدة غرف قبل أن يعثر عليه في إحداها، بكامل ملابسه، ممددا على بطنه فوق الأرض، قرب المائدة، وذراعه معوجة بشكل غريب. كان ستالين واعيا، لكنه لا يستطيع الكلام: لقد أُصيب بجلطة دماغية مصحوبة بنزيف حاد. أكثر من عشرين ساعة وهو ممدد على الأرض، بلا حراك، دون أن يسعفه أحد!

الحراس المرعوبون ترددوا كثيرا قبل أن يقدموا على حمله وتمديده على الأريكة. تشجعوا ووضعوا فوقه غطاء وانصرفوا. ما العمل؟

مر وقت طويل وستالين يتألم على الأريكة دون أن يسعفه أحد. الجميع يخشى أن يتدخل فيكون مصيره مثل “أصحاب الوزرات البيضاء”!

أخيراً اتصل أحد الحراس بسكرتير اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي، الذي وصل على عجل مصحوبا بشخصيات مرموقة في الحزب يتقدمهم خروتشوف. ما العمل؟ الموت يدب رويدا رويدا في جسد الزعيم والرفاق يحدقون في الجثة المسجاة على الأريكة بلا أوكسجين أو “صيروم”، ثم يقفلون الغرفة وهم يرددون: ما العمل؟

الأطباء الذين استقدمهم خروتشوف خائفون، مصير “أصحاب الوزرات البيضاء” يرعبهم. لكنهم انتهوا بأن فحصوا القائد، والفزع يلتهم أحشاءهم.

كان ستالين يشكو من عجز في الجانب الأيمن، وضغط في الشرايين، ودقات قلب متسارعة… ضغط شرايين القلب يلازمه من مدة، لكنه يرفض العلاج بسبب توجسه خيفة من الأطباء، الذين “يريدون اغتياله”، حسب ما كان يسر له “الوسواس الخناس”.

تشجع الأطباء ووضعوه تحت التنفس الصناعي، محاولين إيقاف النزيف بشتى الطرق، رغم أن الجميع كان يتمنى في قرارة نفسه ألا يفلت الديكتاتور من الجلطة، كي يتخلصوا من بطشه إلى الأبد.

لمدة ثلاثة أيام، ظل الأطباء في غرفة الزعيم، يعاينون احتضاره الطويل وهم في حالة رعب، من حين لآخر يحرك شفتيه أو يفتح عينيه ويحاول أن يستنشق ما استطاع من الهواء. انتفخ وجهه وجسده.

في الرابع من مارس، بدأ المريض يتقيأ الدم. في الثامنة ليلا كان وجهه يتصبب عرقا، لم يعد قادرًا على التنفس، لكنه لم يفقد وعيه تماما. امتقع لونه، تحول من الأبيض الشاحب إلى البنفسجي. وكل مرة كان الأطباء يصفقون الباب ويتركونه وحيدا بعد فحص أو حقنة، بيد مرتعشة.

في صباح الخامس من مارس، كان الزعيم يتنفس بصعوبة بالغة، مع انخفاض حاد في دقات القلب. وصار في النهاية يفتش عن الهواء كما تفعل السمكة عندما تخرجها من الماء.

في التاسعة وخمسين دقيقة من الخامس من مارس 1953، مات ستالين في ظروف عصيبة وعمره 74 عاما… ستة وثلاثون عاما بعد ذلك، سيموت “الاتحاد السوفياتي” في ظروف مشابهة!

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...