موقع إخباري مغربي

وظيفة وزير..

عصام واعيس

يترأس لقاءات واجتماعات ويعطي انطلاقة حملات وعمليات وتكوينات، يشارك في مؤتمرات، يتلو برقيات، يسافر، يسافر ويسافر..، ويقدم وعودا كثيرة في كل سفر وحضر، بما في ذلك وعودا بالاستقالة، لكنه لا يستقيل أبدا. لا يمل أبدا من رسم المغرب بالألوان، مهما كانت الأرقام شاحبة، المعاناة بادية، الحقائق صادمة، الوقائع منفصلة تماما عن الوعود. يحمل معه حقيبة لغوية مليئة بأجود أنواع الخشب الخطابي ويجوب بها الشاشات والمحطات والقنوات والمواقع. يختزل أعقد معضلات الحضارة في مؤشرات وأرقام، أرقام طريقة احتسابها نفسها فيها شك. مذ صار صاحبنا وزيرا تغيّر حاله.

مستعد دائما ليقول لنا إن علينا النظر للنصف المملوء من الكأس، النصف التي يسهل على الوزير رؤيتها من نافذة مكتبه الفسيح بالوزارة، أو من نافذة سيارته المرسيديس آخر صيحة، وعلينا الانخراط. في ماذا وكيف وبأي درجة ووفق أي هدف وأي صيغة؟ هذه الأسئلة تعتبر تسفيها للجهود وكلام جرائد وبيروقراطية معارِضة. يجب على الجميع “الانخراط” و”الإسهام” و”تكثيف الجهود” و”تحقيق الإشعاع”. وهل يصح الانخراط في مشروع معطوب؟ أو تصوّر مختل؟ أو مخطط مائل.. مائل جدا؟ يفتش الوزير في حقيبته اللغوية المنحوتة من الخشب الخالص، فيجد أجوبة لهذه الأسئلة تعتمد تقنية “الارتماء في المستقبل”، فيجيب بأننا “بصدد” و”في طور” و”نعمل على” و”سنأخذ كل هذه الأسئلة بعين الاعتبار”، وهناك مخطط تكميلي في طور الإنجاز، وآخر سيعلن عنه العام المقبل، وثالث ننتظر نتائج دراسة للإعلان عنه، مقحما كل تلك الأسئلة المزعجة في بحر المستقبل. وبما أن المستقبل لم يتحقق بعد، فلا يمكن لأحد محاسبة الوزير على ما لم يحدث. وإن تساءل أحد عن كيفية إنجاز هذا الإصلاح أو ذاك المخطط على وجه الدقة والتحديد؟ سيجد نفسه يدخل من جديد دورة الالتباس تلك التي تبدأ بأننا في طور وتنتهي بأن كل شيء في أوانه. وبين في طور وفي أوانه، سيسافر الوزير بين الجهات والأقاليم والدول، مفتتحا مؤتمرات وملقيا خطابات، ومشاركا في ندوات وجلسات إلى أن تحين لحظة الانتخاب و”التناوب التقاتلي” على كراسي الوزارات والكتابات.

قد يستاء البعض من هذه الصورة للوزير ووظيفته، ويراها تناولا ساخرا و”غير منصف” (عبارة الخلفي الأثيرة)، ويترافع عن الوزير الذي لا ينام، والوزير الذي يعمل أكثر من كذا وكذا من الساعات، و”الوزير الذي..”، و”الوزيرة التي..”. أتفهم اعتراض من يعمل بصدق، لكن هذا العمود يدور على التيار الغالب، المتفشي، المستشري في الوزارات. فبوجود حكومة تعاني من تضخم وزاري بيّن ( 39 وزيرا)، ودائرة القرار الفعلي فيها تتركز عمليّا في سبع أو ثمان وزارات، وكثير من برامج وعمليات الوزارات والكتابات “التابعة” أو “المنتدبة” بالتعبير الرسمي تبقى رهينة بمواقف وقرارات الوزارات “القائدة”، وبما تشهده هذه الحكومة من تضخم في الفعل الوزاري العابر والروتيني (إلقاء الكلمات الافتتاحية، وحضور المهرجانات والتظاهرات الثقافية، جولات تلو جولات..)، مقابل نقص حاد في الفعل الوزاري الفارق والاستراتيجي، يصعب أن نتخيّل وظيفة الوزير في غير ما ذكر أعلاه.

تصوّروا لو قدم وزير استقالته من الحكومة احتجاجا على تدبير الدولة لملف الريف؟ (لاحظوا الجواب الساخر والمعبر في الوقت ذاته الذي قدمه عبدالكبير طبيح للرفاق الذين انتقدوا ترافعه لفائدة الدولة ضد معتقلي الريف. “أنوب عن الدولة التي يترأس الاتحاد الاشتراكي برلمانها؟”. السيد يرافع عن الدولة التي يوجد حزب الاتحاد الاشتراكي في حكومتها.. فعلى ما العتب؟)

لكن الحق يُقال إن الاستقالة فيها كثير من المغامرة. والوزير لا يغامر. لا يغامر بمنصبه. وأيضا لأنه يرى أن استقرار البلاد مرتبط بشكل ما ببقائه وزيرا. وهو يؤمن بذلك بحياد كبير. فمجرد أن يصبح وزيرا، يصبح محايدا، منفذا طيّعا، مقتفيا بارعا للخطى، متنكرا جيدا للحزب وقواعده.. ومبادئه، مخزنيا بكل بساطة.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...