موقع إخباري مغربي

نتيجة صراع قادة البجيدي: حكومة تقنوقراطية برئاسة العثماني

عبد السلام بنعيسى

احتدم الصراع داخل حزب العدالة والتنمية حول الولاية الثالثة للأستاذ عبد الإله بنكيران، فمن جهة يسعى الذين يسمون بتيار الاستوزار إلى الدفع في تجاه عدم الموافقة على تغيير القانون الداخلي للحزب والحفاظ عليه كما هو بولايتين فقط للأمين العام، ومن جهة أخرى يريد التيار الثاني المقابل له تغيير القانون بما يضمن لرئيس الحكومة المقال إضافة ولاية ثالثة. كل واحد من التيارين له منطقه الخاص به، وله حججه وأدلته التي يعتمدها للدفاع عن وجهة نظره التي يريد الترويج لها وترسيخ أنها هي الصائبة، والتي تخدم الحزب، وتتناغم مع الحاجيات التي تقتضيها المصلحة العليا للوطن، كما يراها هو.

وفي الواقع يخفي هذا الصراع عن الولاية الثالثة لبنكيران صراعا حول مسار حزب العدالة والتنمية برمته، وحول الصورة التي ستتجسد في ذهن الرأي العام وصانع القرار السياسي في بلادنا عن وزن الحكومة الحالية في شقها المتعلق بمشاركة البيجيدي فيها، وعن طبيعة هذه الحكومة وماهيتها.

فحين تم إعفاء بنكيران من منصبه كرئيس مكلف بتشكيل الحكومة، بعد بلوكاج دام ستة أشهر، كان ذلك يعني أن الرجل أصبح من المغضوب عليهم، ولم يعد مقبولا أن يستمر حاضرا في الساحة السياسية بكل السجال والإثارة التي يضفيها عليها. كان واضحا أن المطلوب هو طي صفحة عبد الإله بنكيران والانتهاء منها بشكل لا رجعة فيه، والمجيء بأمين عام جديد لحزب العدالة والتنمية يكون مختلفا عن أمينه الحالي، وتتوفر فيه المواصفات التي تقبل بها الدولة العميقة في المغرب، ويتعين أن يشكل إبعاد بنكيران من الحكومة والحزب درسا ينبغي أن يستفيد منه، حُكما، كل من سيأتي أمينا عاما للعدالة والتنمية بعده.

قد لا تتدخل أجهزة الدولة مباشرة وبشكل سافر في المؤتمر المقبل للبيجدي أثناء عملية انتخاب الأمين العام الجديد للحزب، إن لم يترشح بنكيران لولاية ثالثة، ولكن الرسالة ستكون قد وصلت لكل من سيخلفه، ومحتوى الرسالة أن لا خيار أمام الأمين العام الجديد، إذا أراد أن يظل أمينا عاما للبيجيدي، سوى استرضاء الدولة العميقة، وعدم الدخول في أي مماحكة معها، بالأحرى الاعتراض على أي رغبة لها، كما فعل بنكيران، وأن ينسى إن أصبح رئيسا للحكومة، الصلاحيات التي خولها له دستور 2011.

ولذلك تبدو من الآن معركة أعضاء البيجيدي الذين يريدون ولاية ثالثة لبنكيران معركة قاسية جدا، ومن الصعب كسبها، ليس لأن البيجديين لا يريدون التجديد للرجل، ولكن لأن الدولة ستقف إلى جانب تيار المستوزرين، وقد توفر له جميع الوسائل والإمكانيات، ليقوم بكل ما في وسعه، من أجل دفع بنكيران للانسحاب من الساحة، والتخلي عن أي طموح لولاية ثالثة.

فالتجديد للأمين العام السابق يعني أن الحزب معه، وأن أطر الحزب وقاعدته الذين اختاروه لولاية ثالثة كلهم ضد الحكومة الحالية، لأنه لم يكن رئيسها، وأنهم معارضون فعليون لها، ومعارضون للدولة التي سهرت على إنتاجها، وأن وزراء البيجيدي يشاركون في هذه الحكومة كأشخاص لدواتهم، وأنهم بلا وزن في الحزب، ولا يمثلون الإرادة الحقيقة لأعضائه، هذه الإرادة التي ستبدو أنها توجد خارج الحكومة، أي مع عبد الإله بنكيران الأمين العام للبيجيدي، وسنكون أمام حكومة يقودها رسميا البيجيدي، ولكن سيكون هذا الحزب هو من قد يعارضها عمليا، وستفتقر إلى الحد الأدني من الزخم الشعبي الذي تحتاجه كل حكومة من أجل كسب تفهم الرأي العام ومساندته لها، لإنجاز المشاريع التي تبدو لها مناسبة وضرورية، وتقتضي تفهم المواطنين.

من المرجح أن تنجح الضغوط في دفع بنكيران إلى عدم الترشح للأمانة العام للبيجيدي، وقد ينسحب حتى من تلقاء نفسه من الحياة السياسة، ويأتي أمين عام جديد بدلا عنه، لكن سيستقر في وعي ولاوعي أعضاء البيجيدي أن عبد الإله بنكيران تمت محاربته وإقصاؤه من أن يكون أمينا عاما لحزبهم، وسيخلف ذلك جرحا غائرا في نفوسهم، إذ سيستخلصون أن أمينهم العام المفضل لديهم مُنع من رئاسة الحكومة، وطُرد من الحزب..

ومع هذا السجال الذي يقع في صفوف قيادة العدالة والتنمية، والتجاذب الذي يجري حاليا بين أعضائه، فإن شرخا كبيرا يبدو أنه حدث في صفوف البيجيدي، فأفقده وحدته، وتماسكه، وقوته، وإجماعه وراء الحكومة، ونظرا لافتقار الحكومة للتعبئة الشعبية التي من المفترض أن توفرها لها قاعدتها الحزبية، سيكون المغرب واقعيا أمام حكومة تقنوقراطية، رغم أن العثماني رئيسها من البيجيدي، وجزءا من أعضائها ينتمون لأحزاب سياسية.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
تحميل...